سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٨ - الثاني عشر فيما كانت فيه من ضيق العيش و خدمتها نفسها- رضي اللّه تعالى عنها- مع استصحاب الصّبر الجميل
«ادني يا فاطمة» فدنت دنوة حتى قامت بين يديه قال عمران: فرأيت صفرة قد ظهرت على وجهها و ذهب الدّم فبسط رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بين أصابعه ثم وضع كفّه بين ترائبها فرفع رأسه قال:
«اللهم، مشبع الجوعة، و قاضي الحاجة، و رافع الوضعة، لا تجع فاطمة بنت محمّد»، فرأيت صفرة الجوع قد ذهبت عن وجهها و ظهر الدّم، ثم سألتها بعد ذلك فقالت: ما جعت بعد ذلك.
و روى الإمام أحمد بسند جيّد عن علي- رضي اللّه تعالى عنه- أنّه قال لفاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- ذات يوم: و اللّه، لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، و قد جاء أبوك بسبي فاذهبي فاستخدميه، فقالت: و أنا و اللّه، لقد طحنت حتّى مجلت يداي فأتت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: «ما جاء بك أي بنية؟» قالت: جئت لأسلم عليك، و استحيت أن تسأله و رجعت، فقال:
ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله فأتيا جميعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال عليّ: يا رسول اللّه، لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، و قالت فاطمة: يا رسول اللّه، لقد طحنت حتى مجلت يداي و قد جاءك اللّه بسبي و سعة، فأخدمنا فقال: لا، و اللّه، لا أعطيكم، و أدع أهل الصّفّة تطوى بطونهم من الجوع لا أجد ما أنفق عليهم و لكني أبيعهم و أنفق عليهم أثمانهم فرجع. فأتاهما رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و قد دخلا في قطيفتهما إذا غطّت رؤوسهما تكشّفت أقدامهما، و إذا غطّت أقدامهما تكشّفت رؤوسهما فتأثر فقال: مكانكما، ثم قال: «ألا أخبر كما بخير ممّا سألتماني»، قالا: بلى، قال: «كلمات علّمنيهنّ جبريل فقال: تسبّحان اللّه في دبر كل صلاة عشرا و تحمدان عشرا و تكبران عشرا، فإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا و ثلاثين و احمدا ثلاثا و ثلاثين و كبّرا أربعا و ثلاثين».
[قال: فواللّه، ما تركتهنّ منذ سمعت ذلك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: فقال له: أين الكوا و لا ليلة صفّين، فقال: قاتلكم اللّه يأهل العراق و لا ليلة صفّين.
و روى الطبراني بسند حسن عن فاطمة- رضي اللّه تعالى عنها- أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أتاها يوما فقال: «أين أبنائي؟» يعني: حسنا و حسينا قالت: أصبحنا و ليس في بيتنا شيء يذوقه ذائق، فقال عليّ: اذهب بهما، فإنّي أتخوف أن يتليا عليك و ليس عندك شيء، فذهب إلى فلان اليهودي فتوجّه إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فوجدهما يلعبان في سرية بين أيديهما فضل من تمر، فقال: «يا عليّ ألا تقلب ابني قبل أن يشتد الحرّ؟» قال علي: أصبحنا و ليس في بيتنا شيء، فلو جلست يا رسول اللّه، حتى أجمع لفاطمة شيئا من التمر، فجلس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى أجتمع لفاطمة شيء من التمر،
فجعله في صرته ثم أقبل فحمل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أحدهما و عليّ الآخر، حتى أقلبهما.