سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٦ - الخامس في رجوع بعض الخوارج إلى قوله و انصرافهم عن قتال علي- رضي اللّه تعالى عنه
سمعت فتوى أشبه بالسنّة من فتواه، و كان أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسمونه البحر و يسمونه الحبر.
و روى الطبراني برجال الصحيح عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- أن هرقل كتب إلى معاوية و قال: إن كان بقي فيه من النبوة، فسيجيبوني عن ما سألتهم عنه، و كتب إليه سأله عن المجرة و عن القوس و عن البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة، فلما أتاه الكتاب و الرسول فقال: هذا شيء ما كنت أراه أسأل عنه إلا يومي هذا، فطوى معاوية الكتاب- كتاب هرقل- فبعث به إلى ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنهما- فكتب إليه أن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق، و المجرة باب السماء التي تنشق منه، و أما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من النهار، فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل.
الخامس: في رجوع بعض الخوارج إلى قوله و انصرافهم عن قتال علي- رضي اللّه تعالى عنه-
روى بكار بن قتيبة في «مشيخته» عن ابن عباس- رضي اللّه تعالى عنها- قال:
اجتمعت الخوارج و هم ستة آلاف، و في لفظ: أربعة و عشرون ألفا، فقلت: يا أمير المؤمنين، أبرد بالصلاة، لعلي ألقى مولى القوم فقال: إني أخافهم عليك، فقلت: كلا إن شاء اللّه فلست أحسن ما أقدر عليه من هذه المجانبة ثم دخلت عليهم و هم قائلون في حر الظهيرة، فدخلت على قوم لم أر أقواما قط أشد اجتهادا منهم كما
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم»
الحديث فلما دخلت قالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، ما جاء بك؟ قلت: جئت أحدثكم عن أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنزل الوحي، و هم أعلم بتأويله، فقال بعضهم: لا تحدثوه، و قال بعضهم: لنحدثنه، قلت: أخبروني ما تنقمون عن ابن عم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ختنه، و أول من آمن به و على أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) معه، قالوا: ننقم عليه ثلاثا؟ قلت: و ما هن قالوا: أولهن أنه حكم الرجال في دين اللّه- عز و جل- و قد قال اللّه- عز و جل-: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام/ ٥٧] قال: قلت و ما ذا؟ قالوا: قاتل و لم يسب و لم يغنم لئن كانوا كفارا لقد حلت أموالهم، و لئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دماؤهم، قال: قلت: و ما ذا قالوا مجير نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، قال: قلت: إن قرأت عليكم من كتاب اللّه و سنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ما لا تنكرون أ ترجعون؟ قالوا: نعم قال: إنه حكم الرجال في دين اللّه- عز و جل- فإن اللّه تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ إلى قوله يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة/ ٩٥] و قال تعالى في المرأة و زوجها:
وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها [النساء/ ٣٥] أنشدكم اللّه الحكم للرجال في حقن دمائهم و أنفسهم، و صلاح ذات بينهم أحق أم في بيت ثمنها ربع