سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٣ - الباب السابع في عصمته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في أقواله البلاغية
الباب السابع في عصمته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في أقواله البلاغية
[قال القاضي عياض] أما أقواله (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقامت الدلائل الواضحة بصحّة المعجزة على صدقه، و أجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدا و عمدا، و لا سهوا و غلطا.
أما تعمّد الخلف في ذلك فمنتف، بدليل المعجزة القائمة مقام قول اللّه فيما قال اتفاقا، و بإطباق أهل الملّة إجماعا.
و أما وقوعه على جهة الغلط في ذلك فبهذه السبيل عند الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني و من قال بقوله، و من جهة الإجماع فقط، و ورود الشّرع بانتفاء ذلك، و عصمة النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لا من مقتضى المعجزة نفسها عند القاضي أبي بكر الباقلّاني و من وافقه لاختلاف بينهم في مقتضى دليل المعجزة لا نطوّل بذكره، فنخرج عن غرض الكتاب، فلنعتمد على ما وقع عليه إجماع المسلمين- أنه لا يجوز عليه خلف في القول في إبلاغ الشريعة، و الإعلام بما أخبر به عن ربّه، و ما أوحاه إليه من وحيه، لا على وجه العمد، و لا على غير عمد، و لا في حالي الرّضا و السخط، و الصحة و المرض.
و في حديث عبد الله بن عمرو: قلت يا رسول اللّه: أكتب كلّ ما أسمع منك؟ قال:
نعم. قلت: في الرضا و الغضب؟ قال: نعم، فإنّي لا أقول في ذلك كلّه إلا حقّا.
إذا قامت المعجزة على صدقه، و أنه لا يقول إلا حقّا، و لا يبلّغ عن اللّه إلّا صدقا، و أنّ المعجزة قائمة مقام قول اللّه له: صدقت فيما تذكره عني، و هو يقول: إني رسول اللّه إليكم لأبلّغكم ما أرسلت به إليكم، و أبيّن لكم ما نزّل عليكم، وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم ٣، ٤]. و قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء ١٧٠].
وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر ٧]، فلا يصحّ أن يوجد منه في هذا الباب خبر بخلاف مخبره على أيّ وجه كان.
و لو جوّزنا عليه الغلط و السّهو لما تميّز لنا من غيره، و لاختلط الحقّ بالباطل، فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة من غير خصوص، فتنزيه النبي عن ذلك كلّه واجب برهانا و إجماعا كما قاله أبو إسحاق.