سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٠٣ - الباب السادس في ذكر من كان على نفقته و خاتمه و سواكه و نعله و الآذن عليه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)
و روى أبو يعلى- برجال الصحيح- عن قيس بن مروان، و هو ثقة قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطّاب- رضي اللّه تعالى عنه- و هو بعرفة فقال: يا أمير المؤمنين، جئت من الكوفة و تركت بها رجلا يملي المصاحف عن ظهر قلبه، قال: فغضب عمر و انتفخ حتّى كاد يملأ ما بين شعبتي الرّحل فقال: ويحك، من هو؟ قال: فقال: عبد الله بن مسعود، فما زال عمر يطفئ و يسري عنه الغضب حتّى عاد إلى حالته الّتي كان عليها. فقال: ويحك و الله ما أعلم أحدا بقي من النّاس هو أحقّ بذلك منه، و سأحدّثك عن ذلك.
كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لا يزال يسمر عند أبي بكر الليلة، كذلك في أمر من أمر المسلمين، و إنه سمر عنده ذات ليلة و أنا معه، ثمّ خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يمشي، و نحن نمشي معه، فإذا رجل قائم يصلّي في المسجد، فقام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يستمع قراءته، فلما كدنا أن نعرف الرّجل،
قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: من سرّه أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد، قال: ثمّ جلس الرّجل يدعو، فجلس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يقول: «سل تعطه»
فقال عمر: فقلت: و اللّه لأغدونّ إليه فلأبشّرنّه قال: فغدوت عليه لأبشّره، فوجدت أبا بكر قد سبقني إليه فبشّره فقلت: «و اللّه ما سابقته إلى خير قطّ إلّا سبقني إليه» [١] و في رواية:
«فوجدت أبا بكر خارجا من عنده، فقلت: إن فعلت إنّك لسبّاق بالخير.
و روى الطّبراني و البزّار و رجاله ثقات، عن عمّار بن ياسر- رضي اللّه تعالى عنه- قال: إن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال: من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أمّ عبد.
و روى الطبراني بسند ضعيف، عن أبي الطّفيل- رضي اللّه تعالى عنه- قال: ذهب ابن مسعود و ناس معه إلى كبات، فصعد ابن مسعود شجرة ليجتني منها، فنظروا إلى ساقيه، فضحكوا من حموشتها، فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: إنّهم لأثقل في الميزان من أحد،
ثم ذهب كلّ إنسان فاجتنى فحلا يأكله، و جاء عبد الله بن مسعود بجنائه قد جعله في حجره، فوضعه بين يدي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فقال:
هذا جناي و خياره فيه* * * و كلّ جان يده إلى فيه
فأكل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.
و روى الطبراني بسند جيّد، و الشطر الأول في الصحيح عن ابن مسعود- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قرأت على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- سبعين سورة، و ختمت القرآن على خير النّاس علي بن أبي طالب.
[١] أخرجه أبو يعلى ١/ ١٧٣، و البيهقي ١/ ٤٥٢، و أبو نعيم في الحلية ١/ ١٢٤، و ذكره الهيثمي في المجمع ٩/ ٢٨٧.