سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥٥ - فصل
كفّار الأمم و أنبيائها بكل ما أمكنها، و اختلقته مما نصّ اللّه تعالى عليه أو نقلته إلينا الرواة، و لم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهته و تقريعه بذمّه بترك ما كان قد جامعهم عليه.
و لو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، و بتلوّنه في معبوده محتجبين، و لكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع و أقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم و ما كان يعبد آباؤهم من قبل، ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه، إذ لو كان لنقل و ما سكتوا عنه، كما لم يسكتوا عن تحويل القبلة، و قالوا: ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [البقرة ١٤٢] كما حكاه اللّه تعالى عنهم، و قد استدل القاضي القشيري على تنزيههم عن هذا بقوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب ٧] و بقوله وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ إلى قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران ٨١] قال: فطهّره اللّه تعالى في الميثاق و بعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه، ثم أخذ ميثاق النبيين بالإيمان به و نصره قبل مولده بدهور، و يجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب هذا ما لا يجوّزه إلا ملحد.
هذا معنى كلامه.
و كيف يكون ذلك و قد أتاه جبرائيل- (عليه السلام)- و شق قلبه صغيرا و استخرج منه علقة، و قال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله و ملأه حكمة و إيمانا [كما تظاهر أخبار المبدأ] و كيف يكون نبيا و آدم بين الروح و الجسد، ثم يجوز عليه شيء من النقائص التي نزه اللّه تعالى عنها أنبياءه، و هذا ما لا يقوله إلا جاهل أو معاند.
فصل
قال القاضي: و اختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة، فمنعها قوم، و جوّزها قوم آخرون.
و الصحيح إن شاء اللّه تعالى تنزيههم من كل عيب، و عصمتهم من كل ما يوجب الرّيب، فكيف و المسألة تصوّرها كالممتنع، فإن المعاصي و النواهي إنما تكون بعد تقرّر الشّرع، ثم ذكر اختلاف الناس في حال النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قبل أن يوحى إليه هل كان متبعا لشرع قبله أم لا؟ و قد تقدم الكلام على ذلك مبسوطا في أبواب عبادته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.
ثم قال: هذا حكم ما يكون المخالفة فيه من الأعمال عن قصد، و هو ما يسمى معصية، و يدخل تحت التكليف، ثم ذكر الكلام على عصمتهم من السّهو و النّسيان.