سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٧ - جماع أبواب الكلام على السهو و النسيان هل يصدر منه أم لا
هذا ما رأيت فيه لأئمتنا، و كلّ من هذه الوجوه محتمل للّفظ على بعد بعضها و تعسّف الآخر منها.
قال القاضي أبو الفضل (رحمه اللّه): و الذي أقول- و يظهر لي أنه أقرب من هذه الوجوه كلّها- أن قوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم): لم أنس إنكار للّفظ الذي نفاه عن نفسه، و أنكره على غيره بقوله: بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا و كذا، و لكنه نسّي.
و بقوله في بعض روايات الحديث الآخر: لست أنسى، و لكن أنسّى. فلما قال له السائل: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ أنكر قصرها كما كان، و نسيانه هو من قبل نفسه، و إنه إن كان جرى شيء من ذلك فقد نسّي حتى سأل غيره، فتحقّق أنه نسّي، و أجري عليه ذلك ليسنّ، فقوله على هذا: لم أنس و لم تقصر، و كلّ ذلك لم يكن- صدق و حقّ، لم تقصر، و لم ينس حقيقة، و لكنه نسّي.
و وجه آخر استثرته من كلام بعض المشايخ، و ذلك أنه قال: إنّ النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يسهو و لا ينسى، و لذلك نفى عن نفسه النّسيان، قال: لأنّ النّسيان غفلة و آفة، و السّهو إنما هو شغل بال، قال: فكان النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسهو في صلاته و لا يغفل عنها، و كان يشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة، شغلا بها لا غفلة عنها.
فهذا إن تحقّق على هذا المعنى لم يكن في قوله: ما قصرت و لا نسيت خلف في قول.
و عندي أنّ قوله: ما قصرت الصلاة و ما نسيت بمعنى التّرك الذي هو أحد وجهي النسيان، أراد- و اللّه أعلم- أني لم أسلّم من ركعتين تاركا لإكمال الصلاة، و لكني نسيت، و لم يكن من تلقاء نفسي.
و الدليل على ذلك
قوله في الحديث الصحيح: إنّي لأنسى أو أنسّى لأسنّ.
قال القاضي: و هذه الأحاديث مبنيّة على السّهو في الفعل الذي قرّرناه، و حكمة اللّه فيه ليستنّ به، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول، و أرفع للاحتمال، و شرطه ألّا يقرّ على السّهو، بل يشعر به ليرتفع الالتباس، و تظهر فائدة الحكمة فيه كما قدمناه، فإن النسيان و السهو في الفعل في حقّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- غير مضادّ للمعجزة، و لا قادح في التصديق،
و قد قال- (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكّروني».
و قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): «رحم اللّه فلانا، لقد أذكرني كذا و كذا آية كنت أسقطهن»- و يروي: أنسيتهنّ.
و قال- (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنّي لأنسى، أو أنسّى، لأسنّ».