سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١٣ - الثالث في كرمه و وصيته و وفاته و عمره
عن أبي عمر، و الإمام أحمد و ابن كثير و الطبراني في الكبير، و أيضا عن عبد الله بن الزبير- رضي اللّه تعالى عنهم- أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال: «لكلّ نبيّ حواريّ و إن حواريّ- و في لفظ: «و ابن عمتي» الزّبير و في لفظ: «و أنتما حواريّ» قاله لطلحة الزبير، و في لفظ:
«الزبير ابن عمّتي حواريّ من أمتي».
روى الشيخان عن عبد الله بن الزّبير- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: قال لي أبي: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: «من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم»، فانطلقت فلمّا رجعت جمع لي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أبويه فقال: «إرم، فداك أبي و أمّي».
الثالث: في كرمه و وصيته و وفاته و عمره.
كان من الشّجعان المعدودين هو و عليّ و حمزة، كان له ألف مملوك يؤدّون إليه الضربية ما دخل في بيت ماله درهم واحد يتصدّق بها- و في رواية- «كان يقسّمها كلّ ليلة و ما يقوم إلى منزله بشيء منه».
روى البخاريّ [١] عنه قال: لما وقف على يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه، فقال: يا بنيّ، ما أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما و إنّ من أكبر همّي لديني، أفترى ديننا بقي من مالنا شيئا؟
ثم قال: يا بنيّ، بع مالنا و اقض ديني، و أوصى بالثّلث، قال عبد الله: «فجعل يوصيني بدينه»، و يقول: يا بنيّ، إن عجزت عن شيء منه فاستعن بمولاك، فو اللّه ما دريت ما أراد حتّى قلت: يا أبة من مولاك؟ قال: اللّه، فو اللّه ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزّبير، اقض عنه دينه فيقضيه، قال: فقتل الزبير و لم يدع دينارا و لا درهما إلا أرضين منها الغابة، و إحدى عشرة دارا بالمدينة، و دارين بالبصرة، و دارا بالكوفة، و دارا بمصر، قال: و ما كان دينه إلا أن الرجل يأتيه بالمال فيستودعه إيّاه، فيقول الزبير: لا، و لكنه سلف، إنّي أخشى عليه الضّيعة، و ما ولّى إمارة قط و لا جباية، و لا خراج و لا شيئا إلا أن يكون غزوة مع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أو مع أبي بكر و عمر و عثمان قال عبد اللّه: فحسبت ما كان عليه من الدّين فكان ألفي ألف و مائتي ألف، و كان الزّبير اشترى الغابة بسبعين و مائة ألف، فباعها عبد الله بألف ألف و ستمائة ألف، ثم قال:
من كان له عندنا شيء فليوافنا بالغابة، فلما فرغ عبد الله من قضاء دينه، قال بنو الزبير: اقسم بيننا ميراثنا، قال: لا، و اللّه، لا أقسم بينكم حتى أنادي بالمواسم أربع سنين، ألا من كان له دين على الزبير فليأتنا فلنقضيه، فجعل ينادي كلّ سنة بالموسم فلما قضى أربع سنين قسم بينهم و دفع الثّلث، و كان للزبير أربع نسوة فأصاب كل امرأة ألف ألف و مائتا ألف، فجمع ماله خمسون ألف ألف و مائتا ألف كما رواه البخاريّ.
[١] أخرجه البخاري (٣١٢٩)