سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٨٦ - الخامس في فضلهم و شرفهم
و روينا عن ابن عمر عن عمر رضي اللّه تعالى عنهما عن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حين سئل عن الإيمان، فقال: أن تؤمن باللّه و ملائكته و كتبه و رسله.
و قال الإمام كمال الدّين ابن الزّملكانيّ- (رحمه اللّه تعالى)-: و بهذا الترتيب المذكور في الآية سرّ لطيف، و ذلك لأن الفوز و الكمال و الرحمة و الخير كله مضاف إلى اللّه سبحانه و تعالى و منه و الوسائط في ذلك الملائكة، و القابل لتلك الرحمة هم الأنبياء و الرسل، فلا بد أولا، من أصل، و ثانيا: من وسائط، و ثالثا: من حصول تلك الرحمة، و رابعا: من وصولها إلى القابل لها بالأصل المفيض للخيرات و الرحمة من اللّه تعالى، و من أعظم رحمة رحم بها عباده إنزال كتبه إليهم، و الموصل لها هم الملائكة، و القابل لها المنزل عليهم هم الأنبياء، فجاء الترتيب كذلك بحسب الواقع.
الرابع: في مبدأ خلقهم و الدلالة على أنهم أجسام خلافا للفلاسفة
روى مسلم عن عائشة- رضي اللّه تعالى عنها- قالت: قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- خلقت الملائكة من نور، و خلق الجانّ من مارج من نار، و خلق آدم مما وصف لكم.
و روى أبو الشيخ في كتاب «العظمة» عن ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- قال: «خلق اللّه تعالى الملائكة من نور العزّة».
و روى أبو الشيخ عن يزيد بن رومان، أنه بلغه أن الملائكة خلقت من روح اللّه تعالى.
الخامس: في فضلهم و شرفهم.
لا نزاع بين العقلاء المثبتين للملائكة في فضلهم و شرفهم، و علو مرتبتهم و طهارتهم، منهم الكرام البررة المطهّرون، العباد المكرمون، و قد اشتمل القرآن الكريم من فضائلهم و ذكر شرفهم عن مقامهم على ما لا يخفى، و جعل اللّه تعالى الإيمان بهم تاليا للإيمان به كما تقدم تقريره، و من شرفهم أنّ اللّه سبحانه و تعالى جعل شرفهم شهادتهم بالقسط تلو شهادته، فقد قال تعالى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ [آل عمران ١٨] و من شرفهم قوله تعالى: وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ [الأنبياء ١٩] فخصهم بالتعبدية المقتضية لقرب التكريم و التشريف.
و قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء ٢٠] و قوله عز و جل:
وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ و قوله تعالى: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ [عبس ١٥، ١٦].
و قوله عز و جل: وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ [الانفطار ١٠، ١١] إلى غير ذلك من الآيات.