سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٩٧ - الخامس في ألم النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لألم العباس لما شدوا وثاقه في الأسر
قد استبيحوا و أصيبت أموالهم. قال: و فشا ذلك بمكة فأوجع المسلمين، و أظهر المشركون فرحا و سرورا، فبلغ العباس بن عبد المطلب فعقر في مجلسه و جعل لا يستطيع أن يقوم. قال معمر: فأخبرني الجزري عن مقسم قال: فأخذ العباس ابنا له يقال له قثم و كان يشبه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فاستلقى فوضعه على صدره و هو يقول: حبي قثم، شبيه ذي الأنف الأشم، برغم من زعم. قال معمر قال ثابت عن أنس: ثم أرسل غلاما له إلى الحجاج بن علاط: ويلك ما جئت به و ما ذا تقول؟ فما وعد اللّه خير مما جئت به. قال الحجاج لغلامه: اقرأ أبا الفضل السلام و قل له: فليخل لي بعض بيوته لآتيه فإن الخبر على ما يسره. فجاء غلامه، فلما بلغ الباب قال: أبشر يا أبا الفضل فإن الخبر على ما يسرك. فوثب العباس فرحا حتى قبل بين عينيه، ثم جاء العباس فأخبره أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد افتتح خيبر. و غنم أموالهم، و جرت سهام اللّه في أموالهم، و اصطفى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صفية بنت حي فأخذها لنفسه، و خيرها بين أن يعتقها فتكون زوجته أو تلحق بأهلها فاختارت أن يعتقها و تكون زوجته. و لكني جئت لمال لي ها هنا أردت أن أجمعه و أذهب فاستأذنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأذن لي أن أقول ما شئت، فأخف عني ثلاثا ثم اذكر ما بدا لك. قال: فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي و متاع جمعته فدفعته إليه، ثم استمر، فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال: ما فعل زوجك؟ فأخبرته أنه قد ذهب، و قالت: لا يحزنك اللّه أبا الفضل، لقد شق علينا الذي بلغك. قال: أجل لا يحزنني اللّه، و لم يكن بحمد اللّه إلا ما أحببنا، و قد أخبرني الحجاج أن اللّه قد فتح خيبر على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و جرت سهام اللّه فيها، و اصطفى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صفية لنفسه، فإن كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به. قالت: أظنك و اللّه صادقا. قال: فإني صادق، و الأمر على ما أخبرتك. قال: ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش و هم يقولون: لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل.
قال لم يصبني إلا خير بحمد اللّه، قد أخبرني الحجاج أن خيبر فتحها اللّه على رسوله، و جرت فيها سهام اللّه، و اصطفى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صفية لنفسه، و قد سألني أن أخفي عنه ثلاثا، و إنما جاء ليأخذ مالا كان له ثم يذهب، قال فرد اللّه الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، و خرج المسلمون من كان دخل بيته مكتئبا حتى أتوا العباس فأخبرهم الخبر، فسر المسلمون و رد اللّه ما كان من كآبة أو غيظ أو خزي على المشركين» [١]].
الخامس: في ألم النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لألم العباس لما شدوا وثاقه في الأسر.
روى ابن عمر و ابن الجوزي عن سويد بن الأصم قال: العباس عم النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما أسر
[١] موارد الظمآن ٤١٣- ٤١٤ (١٦٩٨).