سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٢ - الباب الأول في الرد على من أجاز على الأنبياء- صلّى اللّه عليهم و سلّم- الصغائر
و أما قوله: وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح ٢، ٣]، فقيل: ما سلف من ذنبك قبل النبوة، و هو قول ابن زيد، و الحسن، و معنى قول قتادة. و قيل: معناه أنه حفظ قبل نبوّته منها، و عصم، و لو لا ذلك لأثقلت ظهره، حكى معناه السمرقندي.
و قيل: المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى بلّغها، حكاه الماوردي، و السّلميّ.
و قيل: حططنا عنك ثقل أيّام الجاهلية، حكاه مكيّ.
و قيل: ثقل شغل سرّك و حيرتك و طلب شريعتك حتى شرعنا ذلك لك، حكى معناه القشيري.
و قيل المعنى: خفّفنا عليك ما حمّلت بحفظنا لما استحفظت، و حفظ عليك.
و معنى أنقض ظهرك، أي كاد ينقضه، فيكون المعنى على من جعل ذلك لما قبل النبوة- اهتمام النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم) بأمور فعلها قبل نبوّته، و حرّمت عليه بعد النبوّة، فعدّها أوزارا، و ثقلت عليه، و أشفق منها.
أو يكون الوضع عصمة اللّه له و كفايته من ذنوب لو كانت لأنقضت ظهره.
أو يكون من ثقل الرسالة، أو ما ثقل عليه و شغل قلبه من أمور الجاهلية، و إعلام اللّه تعالى له بحفظ ما استحفظه من وحيه.
و أمّا قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة ٤٣]- فأمر لم يتقدّم للنبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) فيه من اللّه تعالى نهي فيعدّ معصية، و لا عدّه اللّه تعالى عليه معصية، بل لم يعدّه أهل العلم معاتبة.
و غلّطوا من ذهب إلى ذلك، قال نفطويه و قد حاشاه اللّه تعالى من ذلك، بل كان مخيّرا في أمرين، قالوا: و قد كان له أن يفعل ما شاء فيما لم ينزّل عليه فيه وحي، فكيف و قد قال اللّه تعالى: فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [النور ٦٢]. فلمّا أذن لهم أعلمه اللّه بما لم يطّلع عليه من سرّهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا و أنه لا حرج عليه فيما فعل، و ليس «عفا» هنا بمعنى غفر، بل كما
قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم): عفا اللّه لكم عن صدقة الخيل و الرقيق. و لم تجب عليهم قطّ، أي لم يلزمكم ذلك.
و نحوه للقشيريّ، قال: و إنما يقول العفو: لا يكون إلّا عن ذنب- من لم يعرف كلام العرب، قال: و معنى عفا اللّه عنك- أي لم يلزمك ذنبا.
قال الداودي: روي أنها تكرمة.
و قال مكي: هو استفتاح كلام، مثل أصلحك اللّه و أعزّك.