سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٣ - الباب الأول في الرد على من أجاز على الأنبياء- صلّى اللّه عليهم و سلّم- الصغائر
و حكى السمرقندي أنّ معناه عافاك اللّه.
و أما قوله في أساري بدر: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الأنفال ٦٧، ٦٨] فليس فيه إلزام ذنب للنبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، بل فيه بيان ما خصّ به و فضّل من بين سائر الأنبياء، فكأنه قال: ما كان هذا لنبيّ غيرك،
كما قال (صلّى اللّه عليه و سلّم): أحلّت لي الغنائم، و لم تحلّ لنبيّ قبلي.
فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال ٦٧].
قيل: المعنيّ بالخطاب لمن أراد ذلك منهم، و تجرّد غرضه لعرض الدنيا وحده، و الاستكثار منها، و ليس المراد بهذا النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و لا علية أصحابه، بل قد روي عن الضحّاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر، و اشتغل الناس بالسّلب و جمع الغنائم عن القتال، حتى خشي عمر أن يعطف عليهم العدوّ.
ثم قال تعالى: لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [الأنفال ٦٨]، فاختلف المفسّرون في معنى الآية، فقيل: معناها لو لا أنه سبق مني أن لا أعذّب أحدا إلا بعد النّهي لعذّبتكم.
فهذا ينفي أن يكون أمر الأسرى معصية.
و قيل: المعنى لو لا إيمانكم بالقرآن، و هو الكتاب السابق فاستوجبتم به الصّفح- لعوقبتم على الغنائم.
و يزاد هذا القول تفسيرا و بيانا بأن يقال: لو لا ما كنتم مؤمنين بالقرآن، و كنتم ممّن أحلّت لهم الغنائم لعوقبتم، كما عوقب من تعدّى.
و قيل: لو لا أنه سبق في اللّوح المحفوظ أنّها حلال لكم لعوقبتم.
فهذا كلّه ينفي الذّنب و المعصية، لأنّ من فعل ما أحلّ له لم يعص، قال اللّه تعالى:
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً [الأنفال ٦٩].
و قيل: بل كان (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد خيّر في ذلك،
و قد روي عن عليّ رضي اللّه عنه، قال: جاء جبريل (عليه السلام) إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم بدر، فقال: خيّر أصحابك في الأسارى، إن شاءوا القتل، و إن شاءوا الفداء، على أن يقتل منهم في العام المقبل مثلهم. فقالوا: الفداء و يقتل منّا.
و هذا دليل على صحة ما قلناه، و أنهم لم يفعلوا إلّا ما أذن لهم فيه، لكن بعضهم مال