سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٤ - الباب الأول في الرد على من أجاز على الأنبياء- صلّى اللّه عليهم و سلّم- الصغائر
إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره من الإثخان و القتل، فعوتبوا على ذلك، و بيّن لهم ضعف اختيارهم و تصويب اختيار غيرهم، و كلّهم غير عصاة و لا مذنبين، و إلى نحو هذا أشار الطبريّ.
و قوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم) في هذه القضيّة: لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر-
إشارة إلى هذا من تصويب رأيه و رأي من أخذ بمأخذه، في إعزاز الدّين، و إظهار كلمته، و إبادة عدوّه، و أنّ هذه القضيّة لو استوجبت عذابا نجا منه عمر و مثله: و عيّن عمر لأنه أول من أشار بقتلهم، و لكنّ اللّه لم يقدّر عليهم في ذلك عذابا لحلّه لهم فيما سبق.
و قال الداوديّ: و الخبر بهذا لا يثبت، و لو ثبت لما جاز أن يظنّ أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) حكم بما لا نصّ فيه و لا دليل من نصّ، و لا جعل الأمر فيه إليه، و قد نزّهه اللّه تعالى عن ذلك.
و قال القاضي بكر بن العلاء: أخبر اللّه تعالى نبيّه في هذه الآية أنّ تأويله وافق ما كتبه له من إحلال الغنائم و الفداء، و قد كانوا قبل هذا فأدوا في سريّة عبد الله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرميّ بالحكم بن كيسان و صاحبه، فما عتب اللّه ذلك عليهم، و ذلك قبل بدر بأزيد من عام.
فهذا كلّه يدلّ على أنّ فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) في شأن الأسرى كان على تأويل و بصيرة، و على ما تقدّم قبل مثله، فلم ينكره اللّه تعالى عليهم، لكن اللّه تعالى أراد- لعظم أمر بدر و كثرة أسراها، و اللّه أعلم- إظهار نعمته، و تأكيد منّته بتعريفهم ما كتبه في اللّوح المحفوظ من حلّ ذلك لهم، لا على وجه عتاب و إنكار و تذبيب. هذا معنى كلامه.
و أما قوله: عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ... [عبس ١].
فليس فيه إثبات ذنب له (صلّى اللّه عليه و سلّم)، بل إعلام اللّه أنّ ذلك المتصدّى له ممّن لا يتزكّى، و أنّ الصّواب و الأولى- لو كشف لك حال الرّجلين- الإقبال على الأعمى.
و فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما فعل، و تصدّيه لذاك الكافر، كان طاعة للّه و تبليغا عنه، و استئلافا له، كما شرعه اللّه له، لا معصية، و لا مخالفة له.
و ما قصّه اللّه عليه من ذلك إعلام بحال الرّجلين و توهين أمر الكافر عنده، و الإشارة إلى الإعراض عنه، بقوله: وَ ما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [عبس: ٧].
و قيل: أراد ب «عبس»، و «تولّى»- الكافر الذي كان مع النّبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قاله أبو تمام.
و أمّا قصة آدم (عليه السلام)، و قوله تعالى: فَأَكَلا مِنْها- بعد قوله: وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة ٣٥]. و قوله أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ