سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥٢ - الباب الثاني عشر من إعظامه و إجلاله (صلّى اللّه عليه و سلّم) إعظام جميع أصحابه و أشباهه
و قد أفتى مالك- (رحمه اللّه تعالى)- فيمن قال: تربة المدينة رديئة- بالهمزة، و قد لا تهمز تخفيفا- بضربه ثلاثين درّة، و أمر بحبسه و كان المضروب له قدر فقال الإمام: ما أحوجه إلى ضرب عنقه تربة دفن فيها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يزعم أنها غير طيبة.
و في الصحيحين عن علي و أنس- رضي اللّه تعالى عنهما- أنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال في المدينة: «من أحدث فيها حدثا أي: منكرا مبتدعا غير مرضي و لا معروف، أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا».
و روى مالك و أبو داود و النسائي و ابن ماجة عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنّه (عليه الصلاة و السلام) قال: «من حلف على منبري كاذبا فليتبوأ مقعده من النّار».
و حكي أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة [زائرا و قرب من بيوتها] ترجّل و مشى باكيا منشدا:
و لمّا رأينا رسم من لم يدع لنا* * * فؤادا لعرفان الرّسوم و لا لبّا
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة* * * لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا
[١] و أنشأ يقول:
رفع الحجاب لنا فلاح لناظر* * * قمر تقطّع دونه الأوهام
و إذا المطيّ بنا بلغن محمّدا* * * فظهورهنّ على الرّجال حرام
قرّبننا من خير من وطئ الثّرى* * * و لها علينا حرمة و ذمام
[٢] و حكي أن بعض المشايخ حج ماشيا فقيل له في ذلك فقال: العبد الآبق لا يأتي إلى بيت مولاه راكبا لو قدرت أن أمشي على رأسي ما مشيت على قدمي.
قال القاضي- (رحمه اللّه تعالى)-: و جدير- أي حقيق- لمواطن عمّرت بالوحي و التنزيل و تردد بها جبريل و ميكائيل و عرجت منها الملائكة و الروح، و ضجت- أي صوتت- عرصاتها [٣]- جمع عرصة ما وسع من المكان- بالتقديس و التسبيح، و اشتملت تربتها على سيد البشر، و انتشر عنها من كتاب اللّه تعالى و دينه و سنّة رسوله ما انتشر مدارس آيات، و مساجد، و صلوات، و مشاهد الفضائل و الخيرات، و معاهد البراهين من الآيات و المعجزات،
[١] البيتان للمتنبي انظر ديوانه ١/ ٥٦ و قوله الرسم: آثار الديار الدارسة، و المراد به آثار المصطفى- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في معاهده و مساكنه، و الفواد القلب، و العرفان: المعرفة، و اللب العقل. و الأكوار جمع كور، و هو للإبل بمنزلة السرج للفرس.
[٢] الأبيات لأبي نواس في مدح محمد الأمين انظر ديوانه: (٤٠٨) و المراد من قوله برفع الحجاب في الشعر، رفع ستائر أبواب الملوك العظام، و هو هنا بمعنى انقضاء المسافة و القرب من المدينة.
[٣] جمع عرصة، و هي الأرض، و الساحة من غير بناء و هنا المراد بها الأرض مطلقا.