سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٩٥
قال الشيخ في الحبائك: و قال الصفوي الأموي في رسالته بعد أن ذكر عصمتهم و استدل عليها و احتج المخالف بقصة هاروت و ماروت، و بقصة إبليس مع آدم، و باعتراضهم على اللّه تعالى في خلق آدم بقولهم أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها و جوابه على سبيل الإجمال: إن جميع ما ذكرتم محتمل احتمالا بعيدا أو قريبا، و على التقديرين لا يعارض ما دل على عصمتهم زمن الصرائح و الظواهر، قال الشيخ: و هذا الجواب في قصة هاروت و ماروت أعقد من الجواب الذي قبله لما تقدم عند ذكرهما من الأحاديث الصحيحة.
و قال القرافي من أئمة المالكية: و من اعتقد في هاروت و ماروت إنما يعذبان بأرض الهند على خطيئتهما مع الزهرة فهو كافر، بل هم رسل اللّه و خاصته يجب تعظيمهم و توقيرهم و تنزيههم عن كل ما يخل بعظيم قدرهم، و من لم يفعل ذلك وجب إراقة دمه.
و قال البلقيني في منهج الأصلين: العصمة واجبة لصفة النبوة و الملائكة، و جائزة لغيرهما، و من وجبت له العصمة فلا يقع منه كبيرة و لا صغيرة، و لذلك نعتقد عصمة الملائكة المرسلين منهم و غير المرسلين، [قال اللّه تعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ و الآيات في هذا المعنى كثيرة] و إبليس لم يكن من الملائكة، و إنما كان من الجن ففسق عن أمر ربه، و أما هاروت و ماروت [فلا يصح فيهما خبر، و في كتاب الجامع من المحلى لابن حزم أن هاروت و ماروت] [١] من الجن، و ليسا ملكين.
قال الشيخ: قلت: فإن صح هذا لم يحتج إلى الجواب عن قصتهما، كما أن إبليس لم يكن من الملائكة، و إنما كان بينهم و هو من الجن.
و قال الإمام أبو منصور الماتريدي إمام الحنفية في الاعتقاديات: كما أن الشيخ أبا الحسن الأشعري إمام الشافعية في ذلك ما نصه: «ثم إن الملائكة كلهم معصومون، خلقوا للطاعة إلا هاروت و ماروت». و قال القرافي: اعلم أنه يجب على كل مكلف تعظيم الأنبياء بأسرهم، و كذلك الملائكة و من نال من أعراضهم شيئا فقد كفر، سواء كان بالتعريض أو بالتصريح، فمن قال في رجل يراه شديد البطش هذا أقسى قلبا من مالك خازن النار، و قال في رجل يراه مشوه الخلق هذا أوحش من منكر و نكير، فهو كافر، إذ قال ذلك في معرض النقص بالوحاشة و القساوة.
الثاني: من الأدلة التي استدل بها من قال بعدم عصمتهم في قصة آدم و أمرهم بالسجود له ما قالوا عند خلقه و الاحتجاج بها من وجوه:
[١] ما بين المعكوفين سقط في أ.