سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٢ - تنبيهات
قال: «إنّه ليغان على قلبي و إني لأستغفر اللّه كل يوم مائة مرّة».
و في رواية للبخاري عن أبي هريرة- رضي اللّه تعالى عنه-: فأستغفر اللّه في اليوم أكثر من سبعين مرّة.
قال القاضي: فاحذر أن يكون هذا الغين وسوسة أو ريبا وقع في قلبه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أي: لنزاهته عن قبول الوسوسة: لأن قابلها و هي العلقة السّوداء التي هي حظ الشيطان من ابن آدم استخرجها جبريل من قلبه حين شق صدره الشريف، بل المراد أصل الغين ما يتغشى القلب و يغطّيه، قاله أبو عبيد.
و قال غيره: الغين شيء يغشّي القلب و لا يغطيه كلّ التّغطية. «كالشفاف» و «الغيم» الرقيق الذي لا يمنع ضوء الشمس، فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه، و فترات نفسه، و سهوها عن مداومة الذّكر، و مشاهدة الحق بما كان- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- دفع إليه من مقاساة البشر و سياسة الأمة، و معاناة الأهل، و مقاومة الوليّ و العدو، و مصلحة النفس و كلفة من أعباء- أي:
ثقل- أداء الرسالة و حمل الأمانة، و هو في كل هذا في طاعة ربه و عبادة خالقه، و لكن لما كان النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- عند اللّه أرفع الخلق مكانة و أعلاهم درجة و أتمّهم به معرفة، و كانت حاله عند خلوص قلبه، و خلوّ همته و تفرده بربه و إقباله بكليته عليه، و مقامه هنالك أرفع لديه رأى- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حال فترته عنها، و شغله بسواها غضّا من علي حاله، و خفضا من رفيع مقامه، فاستغفر من ذلك.
و احذر أن تفهم من الحديث أنه يغان على قلبه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- مائة مرّة، و إنما هو عدد للاستغفار، و قد يكون الغين هنا هو السكينة التي تتغشاه لقوله تعالى فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التوبة ٤٠] و يكون استغفاره (صلّى اللّه عليه و سلّم) عندها، إظهارا للعبودية و الاستغفار و قال ابن عطاء: استغفاره و فعله هذا تعريف للأمّة بحملهم على الاستغفار.
و يحتمل أن هذه الإغانة حالة خشية و إعظام تغشى قلبه فيطمئن لها، فيستغفر حينئذ شكرا للّه تعالى و ملازمة لعبوديته كما
قال- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- [في ملازمة العبادة] «أ فلا أكون عبدا شكورا
».