سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤٠ - الباب الثامن في كون حرمته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بعد موته و توقيره و تعظيمه لازما
ذكر النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يتغير لونه، و ينحني حتى يصعب على جلسائه لما يراه من هيبته، و عظيم قدره، و رفعة محله عند ربه، فقيل له يوما في ذلك: أي لم تتغير إذا ذكر النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-؟ فقال:
لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليّ ما ترون مني، و لقد كنت أرى محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير التيمي و كان سيّد القراء لا يكاد نسأله عن حديث ورد عن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلا بكى حتى نرحمه، لما يأخذه من لوعة الاحتراق بألم الفراق.
و لقد كنت أرى جعفر الصادق ابن محمد الصادق ابن زين العابدين و كان كثير الدّعابة- بضم أوله، أي: المزاح و التبسم أي: الضحك بلا صوت- إذا ذكر النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- اصفر لونه مهابة منه و إجلالا له، و ما رأيته يحدث عن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلا على طهارة تعظيما لحديثه وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم ٣، ٤] و لقد اختلفت متردداً إليه زماناً فما كنت أراه إلّا على ثلاث خصال، إمّا مصليا، و إما صامتا، و إما يقرأ القرآن، و كان من العلماء و العباد الذين يخشون اللّه تعالى.
و لقد كان عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصديق يذكر النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فينظر إلى لونه كأنه نزف- أي سال منه الدم- و قد جفّ لسانه في فمه هيبة لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و لقد كنت آتى عمار بن عبد الله بن الزبير بن العوّام، فإذا ذكر عنده الرسول (صلّى اللّه عليه و سلّم) بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع.
و لقد رأيت محمد بن شهاب الزهري و كان من أهنأ الناس و أقررهم، فإذا ذكر عنده النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فكأنه ما عرفك و لا عرفته.
و لقد كنت آتي صفوان بن سليم- أي: بضم أوله و فتح ثانية- الزهري مولاهم و كان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بكى حتى يقوم الناس عنه، و يتركوه رحمة به، و حذرا من رؤيته على تلك الحالة المحزنة.
روي عن قتادة- رضي اللّه تعالى عنه- أنه كان إذا سمع حديثا لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أخذه العويل- أي: صوت الصدر بالبكاء، و الزّويل أي القلق- و الانزعاج بحيث لا يستقر بمكان.
و لما كثر على مالك الناس، قيل له: لو جعلت مستمليا يسمعهم ما تمليه لكثرتهم و بعد بعضهم عنك فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ [الحجرات ٢] و كان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرئ حديثه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أمر بالسكوت و قال: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ [الحجرات ٢] و يتأوّل أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله.