سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٨ - الباب الخامس في إرساله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حاطبا- رضي اللّه تعالى عنه
الباب الخامس في إرساله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حاطبا- رضي اللّه تعالى عنه-
ابن أبي بلتعة بن عمرو بن عمير أبا عبد اللّه، و قيل: أبا محمّد شهد بدرا و الحديبية، إلى المقوقس.
قال في زاد المعاد: و اسمه جريح بن ميناء ملك الإسكندريّة عظيم القبط، فقال خيرا، و قارب الأمس، و لم يسلم، فلمّا حضر عنده، قال حاطب له: إنّه كان قبلك رجل يزعم أنه الربّ الأعلى، فأخذه اللّه نكال الآخرة و الأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر به، و إلّا يعتبر بك، فقال المقوقس: هات، قال: إنّ لك دينا لن تدعه إلا لمن هو خير منه، و هو دين الإسلام، الكافي به اللّه، إنّ هذا النبي دعا الناس، فكان أشدّهم عليه قريش، و أعداؤهم له يهود، و أقربهم منه النّصارى، و ما بشارة موسى لعيسى إلا كبشارة عيسى لمحمد- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و ما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن، إلا كدعاء أهل التوراة إلى الإنجيل و كل نبي أدرك قوما فيهم أمّتي، فالحقّ عليهم أن يطيعوه فأنت ممّن أدرك هذا النبيّ قال المقوقس: إني نظرت في أمر هذا الرّجل، فوجدته لا يأمر بمرهوب منه، و لا ينهى عن مرغوب عنه، و لم أجده بالساحر الضّلّال، و لا الكاهن الكّذّاب، و قال المقوقس لحاطب: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبيّا؟ قال حاطب: بل هو رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فقال: ما باله لم يدع على قومه حيث أخرجوه من مكة قال حاطب: فقلت له: أ فتشهد أن عيسى ابن مريم رسول اللّه حيث أراد قومه قتله؟ لم يدع عليهم حتّى رفعه اللّه تعالى إليه، فقال له: أحسنت، إنّك حكيم جئت من عند حكيم.
و روى البيهقي عن حاطب بن أبي بلتعة قال: بعثني رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إلى المقوقس ملك الإسكندرية، فأتيته فحيّيته بكتاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فأنزلني في منزله و أقمت عنده ثمّ بعث إليّ و قد جمع بطارقته، و قال: أني سأكلمك بكلام و أحبّ أن يفهمه منّي، قلت: هلم قال: أخبرني عن صاحبك، أليس هو نبيّا؟ قلت: بلى، هو رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-، قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها قال: قلت: عيسى ابن مريم أليس تشهد أنه رسول اللّه، فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم اللّه- عزّ و جلّ- حتّى رفعه اللّه إليه في السّماء الدّنيا قال: أنت حكيم جئت من حكيم.
و ذكر ابن الربيع أنّ المقوقس لمّا قرأ كتاب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أعطى لحاطب مائة دينار، و خمسة أثواب، و أكرمه في الضيافة، و أقام عنده خمسة أيام، و قال له الرجل: لا يسمع