سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٩٦
أحدها: اعتراضهم بقولهم أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها.
الثاني: غيبتهم لبني آدم بذلك.
و الثالث: إعجابهم و افتخارهم على بني آدم بقولهم وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ.
و الرابع: مخالفة إبليس في الأمر بالسجود مع أنه كان من الملائكة.
فهذه الوجوه الأربعة أشبه ما احتج به المخالف من هذه الآية، و إن كان فيها وجوه أخر من الاحتجاج، لكن أعرضنا عنها لضعفها و وضوح الجواب عنها، و الجواب عن هذه الوجوه.
أما الأول: و هو أنهم اعترضوا على اللّه تعالى، فقد أجاب عنه أهل السنة بوجوه ثلاثة.
أحدها: أن هذا ليس على سبيل الاعتراض، و إنما هو على سبيل التعلم لأمر اللّه تعالى، و معناه أنهم قالوا ذلك ليظهروا عظمة حكمة اللّه تعالى، و أنه جعل في الأرض من هذه صنعته، و هذا الذي ظهر من حاله بحكمه عليها و مصلحة قدرها هو أعلم بها، فكأنهم قالوا: سبحانك ربّنا و تعاليت ما أعظم شأنك و حكمتك، فعلمك بخفايا الأمور حيث تجعل في الأرض من يفسد فيها و يسفك الدماء، و أنت أعلم بموضع المصلحة في ذلك، و لهذا أجابهم بقوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ فإنه تقرير لهم على ما اعتقدوه من خفي حكمة اللّه تعالى و علمه.
و الثاني: أنهم لشدة محبتهم للّه تعالى و حرصهم على الطاعة كرهوا المعصية، فسألوا أعلامهم بما خفي من الحكمة في ذلك، ليطمئنوا و يسكنوا إليه، و هو قول الأخفش.
و الثالث: و هو الذي اختاره القفال، أن ذلك على سبيل الإثبات و الإيجاب، فهو استفهام تقرير و إيجاب، و ليس المراد به الاستعلام و لا الإنكار، فكأنهم قالوا يفعل ذلك، و هو كقول الشاعر:
ألستم خير من ركب المطايا* * * و أندى العالمين بطون راح
[١] أي: أنتم كذلك و قد قيل غير هذه الأجوبة لكن هذه أقواها.
فإن قيل: فكيف علم الملائكة أن بني آدم يسفكون الدماء و يفسدون في الأرض و كيف أضافوا ذلك إلى جميعهم مع أنه مضاف إلى البعض.
قلنا: لعلهم كانوا قد اطلعوا على ذلك من اللوح المحفوظ، و أن اللّه تعالى أعلمهم
[١] البيت لجرير ديوانه ص ٨٥، شرح شواهد المغني ١/ ٤٢ اللسان [نقص] مغني اللبيب ١/ ١٧.
رصف المباني ٤٦، شرح المفصل لابن يعيش ٨/ ١٢٣، المقتضب ٣/ ٢٩٢، شرح شواهد المغني ١/ ٤٢، الجني الداني ٣٢.