سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٥٨ - الخامس- في أنّه خير من طلعت عليه الشّمس و غربت، و أنّه أوّل من يدخل الجنة من هذه الأمة و غير ذلك من بعض فضائله
رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-؟ قال: نعم، قالوا: أين يدفن؟ قال: حيث قبض، فإنّه اللّه تعالى لم يقبضه إلا ببقعة طيبة، فعلموا أنّه كما قال، ثم قال، فقال: عندكم فاغسلوه، فأمرهم يغسّلونه ثمّ خرج و اجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا: انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار فإنّ لهم من هنا نصيبا، فانطلقوا، فقال: رجل من الأنصار: منّا أمير و منكم أمير، فأخذ عمر- رضي اللّه تعالى عنه- بيد أبي بكر فقال أخبروني من له هذه الثلاثة ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة ٤٠] من صاحبه؟ فأخذ بيد أبي بكر فضرب عليها و قال للناس:
بايعوه فبايعوه بيعة حسنة جميلة».
و روى ابن الجوزيّ في المنتظم عن زيد بن أرقم قال: كان لأبي بكر الصّدّيق مملوك يغل عليه، فأتاه ليلة بطعام، فتناول منه لقمة، فقال له المملوك: ما لك كنت تسألني عن كلّ ليلة، و لم تسألني الليلة؟ فقال: حملني على ذلك الجوع، من أين جئت بهذا؟ قال: مررت بقوم في الجاهليّة فرقيت لهم فوعدوني فلما كان من اليوم مررت بهم فإذا عرس لهم فأعطوني فقال له: إن كدتّ تهلكني فأدخل يده في حلقه، و جعل يتقيّأ، و جعلت لا تخرج، فقيل له: إنّ هذه لا تخرج إلا بالماء، فدعا بطست من ماء فجعل يشرب و يتقيّا حتى رمى بها، فقيل له: يرحمك اللّه كلّ هذا من أجل هذه اللّقمة؟ قال: لو لا تخرج إلا مع نفسي لأخرجتها،
سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يقول: «كلّ جسد نبت من سحت» فالنار أولى به
فخشيت أن ينبت شيء من جسدي من هذه اللقمة، و كان يسمى الأوّاه، لرأفته و رحمته،
فصعد علي على المنبر، و قال: ألا إنّ أبا بكر أوّاه منيب القلب.
و قال قيس: رأيت أبا بكر آخذا بطرف لسانه، و هو يقول: هذا أورد في الموارد و قال أبو بكر الصديق- رضي اللّه تعالى عنه-: يا ليتني كنت شجرة تقطع ثم تؤكل». و قال عمران الجوني: قال أبو بكر: «لوددتّ أنّي شجرة في جنب عبد مؤمن» [١].
و روى الطبراني- و رجاله رجال الصحيح- عن أبي سعيد الخدريّ أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان إذا بعث رجلا منكم قرنه برجل منّا، فنحن نرى أن يلي هذا الأمر رجلان، رجل منكم، و رجل منا، فقام زيد بن ثابت فقال إنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان من المهاجرين، و كنّا أنصار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فنحن أنصار من يقوم مقامه، فقال: أبو بكر الصديق: جزاكم اللّه خيرا من حيّ، يا معشر الأنصار، و ثبت قائلكم و اللّه لو قلتم غير ذلك ما صالحناكم.
و روى الطبراني عن عيسى بن عطيّة، قال: قام أبو بكر الصديق حين بويع، فخطب النّاس
[١] انظر الحلية لأبى نعيم ١/ ٣١