سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٠٦ - الخامس فيما حصل له من المشاقّ، و وصيته، و سبب وفاته- رضي اللّه تعالى عنه
لا يرجع أحد عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه، و تواعدوا ليلة عشرة من رمضان، فتوجّه كلّ واحد إلى المصير الّذي فيه صاحبه الّذي يريد قتله، فضرب ابن ملجم عليّا بسيف مسموم في جبهته، فأوصله إلى دماغه في اللّيلة المذكورة ليلة الجمعة،
و لما ضربه ابن ملجم قال: فزت، و ربّ الكعبة، و أوصى سيّدنا الحسن و الحسين- رضي اللّه تعالى عنهما- بتقوى اللّه- عزّ و جلّ- و الصلاة و الزكاة، و غفر الذّنوب، و كظم الغيظ، و صلة الرّحم، و الحلم عن الجاهل، و التّفقّه في الدّين، و التّشبّث في الأمر، و تلاوة القرآن، و حسن الجوار، و الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، و اجتناب الفواحش، و وصّاهما بأخيهما محمّد بن الحنفية، و وصاه بما وصاهما و أن يعظّمهما، و لا يقطع أمرا دونهما، و كتب ذلك كله في كتاب وصيّته، و صورة الوصيّة «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم». هذا ما أوصى به عليّ بن أبي طالب أنّه يشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كلّه و لو كره المشركون، قل: إنّ صلاتي و نسكي و محياي و مماتي للّه ربّ العالمين، لا شريك له و بذلك أمرت، و أنا أوّل المسلمين» أوصيك يا حسن و جميع ولدي و أهلي و من بلغه كتابي بتقوى اللّه ربّكم، و طاعته، و حسن عبادته، و لا تموتنّ إلا و أنتم مسلمون، و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرقوا، فإنّي سمعت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصّلاة و الصّيام و انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم و لا تبغوا الدّنيا، و لا تبكوا على ما زوى عنكم منها، و قولوا الحقّ و ارحموا اليتيم، و كونوا للظّالم خصما، و للمظلوم نصرا، و اعملوا بما في كتاب اللّه- عزّ و جلّ- و سنّة رسوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و لا يأخذكم في اللّه لومة لائم، ثمّ ليهون عليكم الحساب، اللّه اللّه في الصّلاة، فإنّها عمود دينكم، و اللّه اللّه في الجهاد في سبيل اللّه- عز و جل- بأموالكم و أنفسكم، اللّه اللّه في الزّكاة، فإنّها تطفئ غضب الرّبّ، و اللّه اللّه في ذرّيّة نبيكم محمد- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لا يظلمنّ بين ظهرانيكم، و اللّه اللّه في أصحاب نبيكم- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فإنّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أوصى بأهل بيته و أصحابه، و اللّه اللّه في الفقراء و المساكين فأشركوهم في معايشكم، و اللّه اللّه فيما ملكت أيمانكم و لا تخافنّ في اللّه لومة لائم، يكفكم اللّه- عز و جل- من أرادكم و بغي عليكم، و قولوا: حسبنا اللّه و نعم الوكيل، كما أمركم اللّه- عز و جل-، و لا تتركوا الأمر بالمعروف، و النّهي عن المنكر، فيولىّ الأمر شراركم، ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم، و عليكم بالتّواصل و التّباذل، و إِيَّاكم و التَّدابُر و التَّقَاطع و التَّفَرُّق و تعاونوا على البر و التقوى، و لا تَعَاوَنُوا على الإِثْم و العُدْوان، و اتَّقُوا اللّه، إن اللّه شدِيدُ العِقَاب، حفظكم اللّه من أهل بيت، و حفظ فيكم بيتكم (أستودعكم) [١] اللّه و أقرأ عليكم السلام و (رحمه اللّه) و بركاته، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا اللّه، و لمّا احتضر جعل يكثر من قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: لا إله إلا اللّه لا يقول غيرها حتى قبض، و هو ابن ثلاث و ستّين سنة على
[١] في ج: (استودعتكم)