سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٢٨ - السادس في أنه كان يغزي جماعة من الصحابة- رضي اللّه تعالى عنهم
اللّه وقى شرّها، و ليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو و لا الذي بايعه تغرّة أن يقتلا، و إنه قد كان من خبرنا حين توفى اللّه نبيّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، أنّ الأنصار خالفونا و اجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، و خالف عنّا عليّ و الزبير و من معهما و اجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: و اللّه لنأتيّنهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمّل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك. فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم فأثنى على اللّه بما هو أهله، ثمّ قال: أما بعد فنحن أنصار اللّه و كتيبة الإسلام، و أنتم- معشر المهاجرين- رهط، و قد دفّت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا و أن يحضنونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم- و كنت قد زوّرت مقالة أعجبتني أريد أن أقدّمها بين يدي أبي بكر- و كنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك. فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني و أوفر، و اللّه ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت. فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، و لن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحيّ من قريش، هم أوسط العرب نسبا و دارا. و قد رضيت لكم أخذ هذين الرجلين فبايعوا أيّهما شئتم- فأخذ بيدي و يد أبي عبيدة بن الجراح و هو جالس بيننا- فلم أكره مما قال غيرها، كان و اللّه أن أقدّم فتضرب عنقي لا يقرّبني ذلك من إثم أحبّ إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللّهم إلا أن تسوّل إليّ نفسي عند الموت شيئا لا أجده الآن. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكّك، و عذيقها المرجّب. منّا أمير و منكم أمير يا معشر قريش. فكثر اللغط، و ارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت:
ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته و بايعه المهاجرون ثمّ بايعته الأنصار، و نزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلهم سعد بن عبادة، فقلت: قتل اللّه سعد بن عبادة. قال عمر:
و إنّا و اللّه ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم و لم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى و إما نخالفهم فيكون فسادا، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو و لا الذي بايعه تغرّة أن يقتلا» [١].
[١] أخرجه البخاري ٢/ ١٤٨، ١٤٩ (٦٨٣٠).