سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٣٢ - تنبيهات
تنبيهات
الأول: قال القاضي: من علامة حبّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إيثار حبّه، و إلّا كان مدّعيا، فالصّادق في حبّه (عليه الصلاة و السلام) من تظهر علامات ذلك عليه، و أولها: الاقتداء به، و اتّباع أقواله و أفعاله، و امتثال أوامره و اجتناب نواهيه و التّأدّب بآدابه في عسره و يسره، و منشطه و مكرهه، و شاهد هذا قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران ٣١] و إيثار ما شرعه و حضّ عليه على هوى نفسه.
و روى التّرمذيّ عن أنس- رضي اللّه تعالى عنه- قال: قال لي رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-: «يا بنيّ إن قدرت على أن تمسي و تصبح ليس في قلبك غشّ لأحد فافعل ثم قال لي: و ذلك من سنّتي، و من أحيا سنّتي فقد أحبّني، و من أحبّني كان معي في الجنّة».
فمن اتّصف بهذه الصّفات فهو كامل المحبّة للّه و رسوله، و من خالفها في بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبّة، و لا يخرج عن اسمها.
و من علامة محبته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كثرة ذكره، فمن أحبّ شيئا أكثر ذكره.
و منها كثرة الشّوق إلى لقائه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فكلّ حبيب يحبّ لقاء حبيبه، و قد قال أنس- رضي اللّه تعالى عنه-: و حين رأى النّبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يتتبّع الدّبّاء من حوالى القصعة: فما زلت أحبّ الدّبّاء من يومئذ. و قد أتى الحسن بن عليّ و ابن عبّاس و ابن جعفر إلى سلمى، خادمته و مولاة عمّته صفيّة، و سألوها أن تصنع لهما طعاما مما كان يعجب رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-، و كان ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنه- يلبس النّعال السّبتيّة، و يصبغ بالصّفرة إزاره، يفعل نحو ذلك.
و من علامة حبّه بغض من أبغض اللّه و رسوله و مجانبة من خالف سنّته و ابتدع في دينه و استثقاله كلّ أمر يخالف شريعته قال تعالى: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ [المجادلة ٢٢] و هؤلاء الصحابة- رضي اللّه تعالى عنهم- قد قتلوا أحبّاءهم، و قاتلوا أبناءهم و آباءهم في مرضاته، روى البخاري عن عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ابن سلول قال: يا رسول اللّه لو شئت لأتيتك برأسه يعني: أباه.
الثاني: حقيقة المحبّة الميل إلى ما يوافق الإنسان إما باستلذاذه بإدراكه كحب الصور الجميلة و الأصوات الحسنة، و الأطعمة و الأشربة اللّذيذة و أشباهها ممّا كلّ طبع سليم مائل إليها لموافقتها له، أو استلذاذه بإدراك بحاسّة عقله و قلبه معاني باطنة شريفة كحب الصالحين و العلماء و أهل المعروف المأثور عنهم السّير الجميلة و الأفعال الحسنة، فإن طبع الإنسان مائل إلى الشّغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ ذلك ما يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان و هتك الحرم و احترام النفوس أو يكون حبّه إيّاه لموافقته له من جهة إحسانه له و إنعامه عليه، فقد جبلت