سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦١ - تنبيهات
الباب السادس في حكم عقد قلب النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من وقت نبوته كغيره من الأنبياء- (عليهم الصلاة و السلام)-
«مكث بمكة خمس عشرة يسمع الصوت و يرى الضوء سبع سنين و لا يرى شيئا، و ثمان سنين يوحى إليه، و هذا على أنه عاش خمسا و ستين سنة، و الصحيح أنه عاش ثلاثا و ستين سنة.
و روى البيهقيّ عن عمرو بن شراحبيل أنه- (عليه الصلاة و السلام)- قال لخديجة: «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء [و قد خشيت- و اللّه- أن يكون هذا الأمر]».
تنبيهات
الأول: قال القاضي: هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه، و لا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه، و لا يعترض على هذا بقول إبراهيم- (عليه الصلاة و السلام)- وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة ٢٦٠]
و قول نبينا- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- «نحن أحقّ بالشّكّ من إبراهيم»- (صلّى اللّه عليه و سلّم)
- ليس اعترافا منه بالشك لهما- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بل هو نفي له لأن يكون إبراهيم شكّ و إبعاد للخواطر الضعيفة أن تظنّ هذا بإبراهيم، أي: نحن موقنون بالبعث و إحياء اللّه الموتى، فلو شك إبراهيم لكنّا أولى بالشكّ منه.
الثاني: فإن قلت فما معنى قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ [يونس ٩٤] الآية قال القاضي: و اختلفوا في معنى الآية، فقيل: المراد قل: يا محمد للشاكّ.
قالوا: و في السورة نفسها ما دلّ على هذا التأويل، و هو قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ أي أهل مكة إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي [يونس ١٠٤] الآية.
و قيل: الخطاب للعرب و غير ذلك، و المراد غير النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر ٦٥] الخطاب له و المراد غيره.
و مثله فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ [هود ١٠٩] أي: لا يشك في أن عبادتهم عند اللّه ضلال، و نظيره كثير قال بكر بن العلاء: وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ [يونس ٩٥] و هو- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان المكذّب- بفتح الذال- فيما يدعو إليه، فكيف يكون هو المكذّب- بكسرها- أي: فكيف يكذب نفسه المذكور.
و قيل: مثل هذه الآية قوله تعالى الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان ٥٩] الخبير المسؤول، لا المستخبر السائل.
الثالث: فإن قيل: فما معنى
ما رواه مسلم عن الأغر المزني أنه- (عليه الصلاة و السلام)-