سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٦٨ - جماع أبواب الكلام على السهو و النسيان هل يصدر منه أم لا
قيل: هذا اللفظ شكّ من الراوي.
و قد روى: «إني لا أنسى، و لكن أنسّى لأسنّ».
و ذهب ابن نافع، و عيسى بن دينار أنه ليس بشكّ، فإنّ معناه التقسيم، أي أنسى أنا، أو ينسيني اللّه.
قال القاضي أبو الوليد الباجي: يحتمل ما قالاه أن يريد: أني أنسى في اليقظة، و أنسّى في النوم، أو أنسى على سبيل عادة البشر من الذّهول عن الشيء و السّهو، و أنسّى مع إقبالي عليه و تفرّغي له، فأضاف أحد النّسيانين إلى نفسه، إذ كان له بعض السبب فيه، و نفى الآخر عن نفسه، إذ هو فيه كالمضطرّ.
و ذهبت طائفة من أصحاب المعاني و الكلام على الحديث إلى أنّ النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان يسهو في الصلاة و لا ينسى، لأنّ النسيان ذهول و غفلة و آفة، قال: و النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم) منزّه عنها، و السّهو شغل، فكان النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم) يسهو في صلاته، و يشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة، شغلا بها لا غفلة عنها.
و احتجّ بقوله في الرواية الأخرى: إني لا أنسى.
و ذهبت طائفة إلى منع هذا كلّه عنه، و قالوا: إنّ سهوه (عليه السلام) كان عمدا و قصدا ليسنّ.
و هذا قول مرغوب عنه، متناقض المقاصد، لا يحلى منه بطائل، لأنه كيف يكون متعمّدا ساهيا في حال. و لا حجّة لهم في قولهم: إنه أمر بتعمّد صورة النسيان ليسنّ، لقوله:
إني لأنسى أو أنسّى. و قد أثبت أحد الوصفين، و نفى مناقضة التعمّد و القصد، و
قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، [فإذا نسيت فذكروني].
و قد مال إلى هذا عظيم من المحقّقين من أئمتنا، و هو أبو المظفّر الإسفرايني، و لم يرتضه غيره منهم، و لا أرتضيه، و لا حجّة لهاتين الطائفتين في
قوله: إني لا أنسى، و لكن أنسّى،
إذ ليس فيه نفي حكم النسيان بالجملة، و إنما فيه نفي لفظه و كراهة لقبه، كقوله: بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا، و لكنه نسّي، أو نفي الغفلة و قلة الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه، و لكن شغل بها عنها، و نسي بعضها ببعضها، كما ترك الصلاة يوم الخندق حتى خرج وقتها، و شغل بالتحرّز من العدوّ عنها، فشغل بطاعة عن طاعة.
و قيل: إنّ الذي ترك يوم الخندق أربع صلوات: الظهر، و العصر، و المغرب، و العشاء، و به احتج من ذهب إلى جواز تأخير الصلاة في الخوف، إذا لم يتمكّن من أدائها إلى وقت الأمن، و هو مذهب الشاميّين.