سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٦ - الباب الأول في الرد على من أجاز على الأنبياء- صلّى اللّه عليهم و سلّم- الصغائر
و أمّا قصّة يونس فقد مضى الكلام على بعضها آنفا، و ليس في قصة يونس نصّ على ذنب، و إنما فيها: أبق و ذهب مغاضبا و قد تكلمنا عليه.
و قيل: إنما نقم اللّه عليه خروجه عن قومه فارّا من نزول العذاب.
و قيل: بل لمّا وعدهم العذاب ثم عفا اللّه عنهم قال: و اللّه لا ألقاهم بوجه كذّاب أبدا.
و قيل: بل كانوا يقتلون من كذب فخاف ذلك ...
و قيل: ضعف عن حمل أعباء الرسالة. و قد يقدم الكلام أنه لم يكذبهم.
و هذا كلّه ليس فيه نصّ على معصية إلّا على قول مرغوب عنه.
و قوله: إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الصافات/ ١٤]- قال المفسرون تباعد.
و أما قوله: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء ٨٧]، فالظّلم وضع الشيء في غير موضعه، فهذا اعتراف منه عند بعضهم بذنبه، فإمّا أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربّه، أو لضعفه عمّا حمّله، أو لدعائه بالعذاب على قومه. و قد دعا نوح بهلاك قومه فلم يؤاخذ.
و قال الواسطي في معناه: نزّه ربّه عن الظّلم، و أضاف الظّلم إلى نفسه اعترافا و استحقاقا.
و مثل هذا قول آدم و حوّاء: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف ٢٣]، إذ كانا السبب في وضعهما غير الموضع الذي أنزلا فيه، و إخراجهما من الجنّة، و إنزالهما إلى الأرض.
و أما قصة داود (عليه السلام) فلا يجب أن يلتفت إلى ما سطّره فيه الأخباريون من أهل الكتاب الذين بدّلوا و غيّروا، و نقله بعض المفسرين. و لم ينصّ اللّه على شيء من ذلك، و لا ورد في حديث صحيح. و الذي نصّ اللّه عليه قوله: وَ ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ راكِعاً وَ أَنابَ. فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ [ص ٢٤، ٢٥].
و قوله فيه: أَوَّابٌ.
فمعنى فتنّاه: اختبرناه. و أوّاب: قال قتادة: مطيع.
و هذا التفسير أولى.
و قال ابن عباس، و ابن مسعود: ما زاد داود على أن قال للرجال: انزل لي عن امرأتك و أكفلنيها، فعاتبه اللّه على ذلك، و نبّهه عليه، و أنكر عليه شغله بالدنيا، و هذا الذي ينبغي أن يعوّل عليه من أمره.
و قيل: خطبها على خطبته.
و قيل: بل أحبّ بقلبه أن يستشهد.