سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٧ - الباب الأول في الرد على من أجاز على الأنبياء- صلّى اللّه عليهم و سلّم- الصغائر
و حكى السمرقندي أنّ ذنبه الذي استغفر منه قوله لأحد الخصمين: لَقَدْ ظَلَمَكَ، فظلّمه بقول خصمه.
و قيل: بل لما خشي على نفسه، و ظنّ من الفتنة بما بسط له من الملك و الدّنيا. و إلى نفي ما أضيف في الأخبار إلى داود من ذلك- ذهب أحمد بن نصر، و أبو تمام، و غيرهما من المحققين.
و قال الدّاوديّ: ليس في قصة داود و أوريا خبر يثبت، و لا يظنّ بنبيّ محبّة قتل مسلم.
و قيل: إنّ الخصمين اللذين اختصما إليه رجلان في نعاج غنم، على ظاهر الآية.
و أما قصة يوسف و إخوته فليس على يوسف فيها تعقّب، و أمّا إخوته فلم تثبت نبوّتهم فيلزم الكلام على أفعالهم. و ذكر الأسباط و عدّهم في القرآن عند ذكر الأنبياء ليس صريحا في كونهم من أهل الأنبياء.
قال المفسرون: يريد من نبّئ من أبناء الأسباط.
و قد قيل: إنهم كانوا حين فعلوا بيوسف ما فعلوه صغار الأسنان، و لهذا لم يميّزوا يوسف حين اجتمعوا به، و لهذا قالوا: أرسله معنا غدا نرتع و نلعب، و إن ثبتت لهم نبوّة فبعد هذا، و اللّه أعلم.
و أما قول اللّه تعالى فيه: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ [يوسف ٢٤] فعلى طريق كثير من الفقهاء و المحدّثين أنّ همّ النّفس لا يؤاخذ به، و ليس سيئة، لقوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- عن ربّه: «إذا همّ عبدي بسيّئة فلم يعملها كتبت له حسنة»، فلا معصية في همّه إذا.
و أما على مذهب المحقّقين من الفقهاء و المتكلّمين فإنّ الهمّ إذا وطّنت عليه النفس سيئة. و أما ما لم توطّن عليه النفس من همومها و خواطرها فهو المعفو عنه.
و هذا هو الحقّ، فيكون- إن شاء اللّه- همّ يوسف من هذا، و يكون قوله: وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف ٥٣].
أي ما أبرّئها من هذا الهمّ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع و الاعتراف بمخالفة النفس لما زكّي قبل و برّئ، فكيف و قد حكى أبو حاتم عن أبي عبيدة- أنّ يوسف لم يهمّ، و أن الكلام فيه تقديم و تأخير، أي: و لقد همّت به، و لو لا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها، و قد قال اللّه تعالى- عن المرأة وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ [يوسف ٣٢]. و قال تعالى:
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ [يوسف ٢٤]. و قال تعالى: وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف ٢٣] الآية.