سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٩ - الباب الأول في الرد على من أجاز على الأنبياء- صلّى اللّه عليهم و سلّم- الصغائر
الوجه، جائز الفعل، لأنّ موسى دافع عن نفسه من أتاه لإتلافها، و قد تصوّر له في صورة آدميّ، و لا يمكن أنه علم حينئذ أنه ملك الموت، فدافعه عن نفسه مدافعة أدّت إلى ذهاب عين تلك الصورة التي تصوّر له فيها الملك امتحانا من اللّه له، فلما جاءه بعد، و أعلمه اللّه تعالى أنه رسوله إليه استسلم.
و للمتقدمين و المتأخّرين على هذا الحديث أجوبة هذا أشدّها عندي، و هو تأويل شيخنا الإمام أبي عبد الله المازري.
و قد تأوّله قديما ابن عائشة و غيره على صكّه و لطمه بالحجّة، و فقء عين حجّته، و هو كلام مستعمل في هذا الباب في اللغة معروف.
و أمّا قصة سليمان و ما حكى فيها أهل التفاسير من ذنبه و قوله: وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ [ص ٣٤]، فمعناه ابتلينا، و ابتلاؤه:
ما حكي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه قال: لأطوفنّ الليلة على مائة امرأة أو تسع و تسعين كلّهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل اللّه. فقال له صاحبه: قل إن شاء اللّه، فلم يقل. فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل.
قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم): و الذي نفسي بيده لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا في سبيل اللّه.
قال أصحاب المعاني: و الشقّ هو الجسد الذي ألقي على كرسيّه حين عرض عليه، و هي عقوبته و محنته.
و قيل: بل مات فألقي على كرسيّه ميّتا.
و قيل: ذنبه حرصه على ذلك و تمنّيه.
و قيل: لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص، و غلب عليه من التّمنّي.
و قيل: عقوبته أن سلب ملكه، و ذنبه أن أحبّ بقلبه أن يكون الحقّ لأختانه على خصمهم.
و قيل: أوخذ بذنب قارفه بعض نسائه. و لا يصحّ ما نقله الأخباريّون من تشبّه الشيطان به، و تسلّطه على ملكه، و تصرّفه في أمته بالجور في حكمه، لأنّ الشياطين لا يسلّطون على مثل هذا، و قد عصم الأنبياء من مثله.
و إن سئل: لم يقل سليمان في القصة المذكورة: إن شاء اللّه؟- فعنه أجوبة: أحدها- ما روي في الحديث الصحيح أنه نسي أن يقولها، و ذلك لينفذ مراد اللّه تعالى.