سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤٢ - الباب التاسع في سيرة السلف- رحمهم اللّه تعالى- في تعظيم رواة حديثه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)
قال مطرّف بن عبد اللّه بن مطرف بن سليمان بن يسار: كان الناس إذا أتى الناس مالكا خرجت إليهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم سيدي تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا المسائل، خرج إليهم، و إن قالوا الحديث، دخل مغتسله فاغتسل و تطيب و لبس ثيابا جددا و لبس ساجة- بسين مهملة فألف فجيم فهاء- طيلسان أخضر.
و قال الأزهري: و هو القور الذي ينسج مستديرا، و تعمّم و وضع على رأسه رداءه و تلقى له منصّة- بكسر الميم- أي شيئا مرتفعا يجلس عليه فيجلس عليها و عليه الخشوع، و لا يزال يبخّر بالعود حتى يفرغ من حديثه.
قال غيره: و لم يكن يجلس عليها إلا إذا حدّث عنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.
قال ابن أبي أويس إسماعيل ابن أخت مالك: فقيل لمالك في ذلك، فقال: أحب أن أعظّم حديثه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و لا أحدّث به إلّا على طهارة متمكّنا، و كان يكره أن يحدث في الطريق أو و هو قائم أو مستعجل.
و قال: أحبّ أن أفهم من أحدّثه حديثه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.
قال ضرار بن مرّة- أبو سنان الشّيباني الكوفي-: كانوا- أي: من لقيتهم من التابعين كعبد الله بن شداد و أبو الأحوص بن سعيد بن جبير- يكرهون أن يحدثوا عنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- على غير وضوء.
و كان سليمان بن مهران الأعمش إذا حدّث- أي: أراد أن يحدث على غير وضوء تيمم.
و كان قتادة بن دعامة لا يحدث إلا على طهارة، و لا يقرأ إلا على وضوء.
قال عبد الله بن المبارك: كنت عند مالك و هو يحدثنا، فلدغته عقرب ست عشرة مرّة، و لونه يتغير و يصفرّ، و لا يقطع حديث رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فلما فرغ من المجلس و تفرق عنه الناس قلت له: رأيت منك اليوم عجبا، قال: نعم، لدغتني عقرب ست عشرة مرة، [و أنا صابر في جميع ذلك]، و إنما صبرت إجلالا لحديثه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-.
قال ابن مهدي: مشيت يوما مع مالك إلى «العقيق» فسألته عن حديث فانتهرني، و قال لي: كنت في عيني أجل من أن تسألني عن حديث من حديثه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و نحن نمشي، و سأله جرير بن عبد الحميد عن حديث و هو قائم، فأمر بحبسه، فقيل له: إنه قاض فقال: القاضي أحق بالأدب.