سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٣٩ - الباب الثامن في كون حرمته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بعد موته و توقيره و تعظيمه لازما
الباب الثامن في كون حرمته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بعد موته و توقيره و تعظيمه لازما [١] كما كان في حال حياته
قال القاضي: قال أبو إبراهيم التّجيبي: «واجب على كل مؤمن متى ذكر- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أو ذكر عنده أن يخضع و يخشع و يتوقّر، و يسكّن من حركته، و يأخذ من هيبته و إجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، و يتأدّب بما أدّبنا اللّه تعالى به من قوله تعالى: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ [الحجرات ١] لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ [الحجرات ٢] لا تَقُولُوا راعِنا [البقرة ١٠٤] لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور ٦٣]. و لما ناظر أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد بن عباس ثاني خلفاء بني العباس مالكا في مسجده- (عليه الصلاة و السلام)- قال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإنّ اللّه تعالى أدب قوما فقال: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ [الحجرات ٢]. و إن حرمته ميّتا كحرمته حيّا، فاستكان لها أبو جعفر، و قال لمالك: يا أبا عبد الله أ أستقبل القبلة و ادعو أم استقبل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-؟ فقال له: لم تصرف وجهك عنه و هو وسيلتك و وسيلة أبيك آدم إلى اللّه- تعالى- يوم القيامة بل استقبله و استشفع به فيشفعك اللّه، فإنه تقبل به شفاعتك لنفسك قال اللّه تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [النساء ٦٤] أي بتحاكمهم إلى الطّاغوت و هو كعب بن الأشرف، سمي طاغوتا لعتوه و فرط طغيانه، و عداوته لرسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- جاؤُكَ تائبين من نفاقهم فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ [النساء ٦٤]. مما تقدم منهم وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ/ [النساء ٦٤] التفت تفخيما لشأنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و إيذانا بأن شفاعة من اسمه الرسول من اللّه تحل من القبول لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء ٦٤] أي لتاب عليهم و رحمهم، فلا يؤاخذهم بسوء صنيعهم.
و قال مالك- (رحمه اللّه تعالى)-: و قد سئل عن أبي أيوب السّختياني- بسين مفتوحة فمعجمة ساكنة فتاء مكسورة، نسبته لبيع السختيان أي: الجلد المدبوغ- ما حدّثتكم عن أحد إلا و أيوب أفضل منه.
و قال: و حج أيوب حجتين فكنت أرمقه و لا أسمع منه غير أنه إذا ذكر النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بكى حتى أرحمه فلما رأيت منه ما رأيت، [و إجلاله للنبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-]، كتبت عنه.
و قال مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت الزبيري: كان مالك- إمام دار الهجرة إذا
[١] في أ: لازم.