سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٨٥ - الثالث في وجوب الإيمان بهم
و قال أبو عبيدة: أصله ملأك أيضا، لكن من لأك إذا أرسل، و قال أبو عمرو بن الحاجب- (رحمه اللّه تعالى)- الوجه هو القول الأوّل إذ ليس فيه إلا ارتكاب القلب، و لا بد فيه من إرادة الهمزة في مفرده لورودها في جمعه، قال ابن كيسان: فعال بعيد، لأن مثل ذلك نادر، و يفعل كثيرا و حمله على الكثير أولى من حمله على النّادر، لا سيما مع مناسبته للرسالة بخلاف الملك.
و أمّا قول أبي عبيد اللّه: إنه مفعل من لأك إذا أرسل فبعيد، لأنه يكون مرسلا لا مرشدا، و إذا كان من الألوكة كان مرسلا فترجح الأول.
الثاني: في حقيقة معناه:
ذهب أكثر المسلمين إلى أن الملائكة أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، مسكنها السموات، و هذا المذهب الذي يقوم عليه الدلالة، و قد دلت الأدلة السمعية على وجود الملائكة و أثبتها أهل الإسلام على الوجه الذي بيناه، و اتفقت على وجودها الأنبياء- (صلوات اللّه و سلامه عليهم)-، و الملل كلها مجتمعة على ذلك و إن كان المرجع و الاعتماد في إثباتها و وجودها على الأدلة السمعية، و ما قاله الأنبياء- (صلوات اللّه و سلامه عليهم)- واجب المصير في معرفة حقائقهم إلى ما دلت عليه الأدلة السمعية من الكتب الإلهية و قول الأنبياء.
الثالث: في وجوب الإيمان بهم.
قال اللّه سبحانه و تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ قال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) في حديث جبريل لما سأله عن الإيمان أن تؤمن باللّه و ملائكته و رسله قال الحافظ أبو بكر البيهقي- (رحمه اللّه تعالى)- في «شعب الإيمان»، و الإيمان بالملائكة ينتظم معاني:
أحدها: التصديق بوجودهم.
و الثاني: إنزالهم منازلهم، و إثبات أنهم عباد اللّه و خلقه، كالإنس و الجن، مأمورون مكلفون، لا يقدرون إلا على ما يقدرهم اللّه تعالى عليه، و الموت عليهم جائز، و لكن اللّه تعالى جعل لهم أمدا بعيدا، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه، و لا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم باللّه تعالى جده و لا يدعون آلهة كما دعتهم الأوائل.
و الثالث: الاعتراف بأن منهم رسلا يرسلهم اللّه إلى من يشاء من البشر، و قد يجوز أن يرسل بعضهم إلى بعض و يتبع ذلك الاعتراف بأن منهم حملة العرش، و منهم الصّافّون، و منهم خزنة الجنة، و منهم خزنة النار، و منهم كتبة الأعمال، و منهم الذين يسوقون السحاب، فقد ورد القرآن بذلك كله أو بأكثره.