الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٥ - المسابقة المعنوية الكبرى!!
و نقرأ في هذا الصدد القصّة التالية: عند ما أدخل الإمام علي بن الحسين عليه السّلام مغلولا مكبّلا في مجلس يزيد بن معاوية، فالتفت يزيد إلى الإمام، و قرأ آية سورة الشورى: ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ و كان يريد أن يظهر أنّ مصائبكم كانت نتيجة أعمالكم، و بهذا أراد الطعن، بالإمام عليه السّلام بهذا الكلام، إلّا أنّ الإمام ردّ عليه فورا و قال: كلّا، ما نزلت هذه فينا، إنّما نزلت فينا: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [١].
و لنا بحث مفصّل في هذا المجال في تفسير الآية رقم ٣٠ من سورة الشورى [٢].
أتباع أهل البيت أيضا عرفوا نفس المعنى، في هذه الآية، إذ نقل أنّ الحجّاج عند ما جيء له بسعيد بن جبير و صمّم على قتله، بكى رجل من الحاضرين. قال سعيد: و ما يبكيك؟ فأجاب: للمصاب الذي حلّ بك، قال: لا تبك فقد كان في علم اللّه أن يكون ذلك، ألم تسمع قوله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [٣].
و من الطبيعي أنّ كلّ الحوادث التي تحدث في هذا العالم مسجّلة في لوح محفوظ و في علم اللّه عزّ و جلّ اللّامحدود، و إذا أشرنا هنا إلى المصائب التي تقع في الأرض و في الأنفس فقط، فلأنّ موضوع الحديث بهذا الاتّجاه، كما سنرى في الآية اللاحقة التي يستنتج منها الموضوع نفسه.
و بالضمن فإنّ جملة: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ تشير إلى تسجيل و حفظ كلّ هذه الحوادث في لوح محفوظ مع كثرتها البالغة، و ذلك سهل يسير على اللّه تعالى.
و المقصود من «اللوح المحفوظ» هو: العلم اللامتناهي للّه سبحانه، أو صحيفة
[١]- تفسير علي بن إبراهيم مطابق لنقل نور الثقلين، ج ٥، ص ٢٤٧.
[٢]- كان لدينا بحث آخر في نهاية الآية (٧٨)، (٧٩) من سورة النساء و التي تتناسب مع الآيات مورد البحث.
[٣]- روح البيان ج ٩، ص ٣٧٥.