الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٢ - أصحاب البستان و المصير المؤلم
لتحويل مسئولية البؤس و الدمار على الآخرين.
و يحتمل أن يكون شعور كلّ منهم- أو غالبيتهم- بالأدوار المحدودة لهم فيما حصل، هو الذي دفع كلا منهم للتخلّي عن مسئولية ما حصل، و ذلك كأن يقترح شخص شيئا، و يؤيّده الآخر في هذا الاقتراح، و يتبنّى ثالث هذا العمل، و يظهر الرابع رضاه بسكوته .. و من الواضح في مثل هذه الأحوال مساهمة الجميع في هذه الجريمة و مشاركتهم في الذنب.
ثمّ يضيف تعالى: قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ.
لقد اعترفوا في المرحلة السابقة بالظلم، و هنا اعترفوا بالطغيان، و الطغيان مرحلة أعلى من الظلم، لأنّ الظالم يمكن أن يستجيب لأصل القانون إلّا أنّ غلبة هواه عليه يدفعه إلى الظلم، أمّا الطاغي فإنّه يرفض القانون و يعلن تمرّده عليه و لا يعترف برسميّته.
و يحتمل أن يكون المقصود بالظلم هو: (ظلم النفس)، و المقصود بالطغيان هو (التجاوز على حقوق الآخرين).
و ممّا يجدر ملاحظته أنّ العرب تستعمل كلمة (ويس) عند ما يواجهون مكروها و يعبّرون عن انزعاجهم منه، كما أنّهم يستعملون كلمة (ويح) أحيانا، و أحيانا اخرى (ويل) و عادة يكون استعمال الكلمة الاولى في المصيبة البسيطة، و الثانية للأشدّ، و الثالثة للمصيبة الكبيرة، و استعمال كلمة (الويل) من قبل أصحاب البستان يكشف عن أنّهم كانوا يعتبرون أنفسهم مستحقّين لأشدّ حالات التوبيخ.
و أخيرا- بعد عودة الوعي إلى ضمائرهم و شعورهم. بل و اعترافهم بالذنب و الإنابة إلى اللّه- توجّهوا إلى البارئ عزّ و جلّ داعين، و قالوا: عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ [١] فقد توجّهنا إليه و نريد منه انفاذنا ممّا
[١]- «راغبون»: من مادّة (رغبة)، هذه المادّة كلّما كانت متعدية ب (إلى) أو (في) تكون بمعنى الميل إلى شيء معيّن، و كلّما