الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٩ - التجارة الرّابحة
عَذابٍ أَلِيمٍ.
بالرغم من أنّ الإيمان و الجهاد من الواجبات المفروضة، إلّا أنّ الآيات هنا لم تطرحها بصيغة الأمر. بل قدّمتها بعرض تجاري مقترن بتعابير تحكي اللطف اللامتناهي للبارئ عزّ و جلّ، و ممّا لا شكّ فيه فإنّ (النجاة من العذاب الأليم) من أهمّ امنيات كلّ إنسان.
و لذا فإنّ السؤال المثار هو: هل تريدون من يدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ و هو سؤال مثير لانتباه الجميع، و قد بادر في نفس الوقت و بدون انتظار للإجابة متحدّثا عن هذه التجارة المتعدّدة المنافع، حيث يضيف تعالى:
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ [١].
و ممّا لا شكّ فيه أنّ اللّه سبحانه غني عن هذه التجارة النافعة و أنّ جميع منافعها تعود على المؤمنين، لذا يقول في نهاية الآية: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
و الجدير بالملاحظة هنا أنّ المخاطب هم المؤمنون بقرينة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لكنّه في الوقت نفسه يدعوهم إلى الإيمان و الجهاد.
و ربّما كان هذا التعبير إشارة إلى أنّ الإيمان يلزم أن يكون عميقا و خالصا للّه سبحانه، حتّى يستطيع أن يكون منبعا لكلّ خير، و حافزا للإيثار و التضحية و الجهاد، و بذا لا يعتدّ بالإيمان الاسمي السطحي.
أو أنّ التأكيد على الإيمان باللّه و رسوله هنا، هو شرح لمفهوم الإيمان الذي عرض بصورة إجمالية في بداية الآية السابقة.
و على كلّ حال فإنّ الإيمان بالرّسول لا ينفصل عن الإيمان باللّه تعالى، كما أنّ الجهاد بالنفس لا ينفصل عن الجهاد بالمال، ذلك أنّ جميع الحروب تستلزم
[١]- جملة: (تؤمنون باللّه) جملة استثنافية تفسّر التجارة، و اعتبر البعض أنّها عطف بيان، و على كلّ حال فإنّ هذه (الجملة الخيرية) لها معنى الأمر.