الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٣ - عالم الوجود المتكامل
يقول تعالى: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
«تبارك»: من مادّة (بركة) في الأصل من (برك) على وزن (ترك) بمعنى (صدر البعير)، و عند ما يقال: (برك البعير) يعني وضع صدره على الأرض. ثمّ استعملت الكلمة بمعنى الدوام و البقاء و عدم الزوال، و أطلقت كذلك على كلّ نعمة باقية و دائمة، و من هنا يقال لمحلّ خزن الماء (بركة) لأنّ الماء يبقى فيها مدّة طويلة.
و قد ذكرت الآية أعلاه دليلا ضمنيّا على أنّ الذات الإلهية مباركة، و هو مالكيته و حاكميته على الوجود، و قدرته على كلّ شيء، و لهذا السبب فإنّ وجوده تعالى كثير البركة و لا يعتريه الزوال.
ثمّ يشير سبحانه في الآية اللاحقة إلى الهدف من خلق الإنسان و موته و حياته، و هي من شؤون مالكيته و حاكميته تعالى فيقول: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا.
«الموت»: حقيقته الانتقال من عالم إلى عالم آخر، و هذا الأمر وجودي يمكن أن يكون مخلوقا، لأنّ الخلقة ترتبط بالأمور الوجودية، و هذا هو المقصود من الموت في الآية الشريفة، أمّا الموت بمعنى الفناء و العدم فليس مخلوقا، لذا فإنّه غير مقصود.
ثمّ إنّ ذكر الموت هنا قبل الحياة هو بلحاظ التأثير العميق الذي يتركه الالتفات إلى الموت، و ما يترتّب على ذلك من سلوك قويم و أعمال مقترنة بالطاعة و الالتزام، إضافة إلى أنّ الموت كان في حقيقته قبل الحياة.
أمّا الهدف من الامتحان فهو تربية الإنسان كي يجسّد الاستقامة و التقوى و الطهر في الميدان العملي ليكون لائقا للقرب من اللّه سبحانه، و قد بحثنا ذلك مفصّلا فيما سبق [١].
عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً.
[١]- يمكن مراجعة الشرح الوافي حول الامتحانات الإلهية في تفسير الآية (١٥٥) من سورة البقرة.