الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٣ - أسوة للجميع
و هذا يعني أنّ المسلمين ما كانوا يأبهون بالخوف من خشية على مصالحهم أو على أنفسهم، بل لكي لا يقع مبدأ الحقّ في دائرة الشكّ و يكون الإنتصار الظاهري للكفّار دليلا على حقّانيتهم و هذا هو منهج الإنسان المؤمن الراسخ في إيمانه، حيث أنّ جميع ما يقوم به و يضحّي في سبيله لا لأجل نفسه، بل للّه سبحانه، فهو مرتبط به وحده، قاطع كلّ علاقة بما سواه، طالب كلّ شيء لمرضاته.
و يضيف في نهاية الآية: وَ اغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
فقدرتك يا اللّه لا تقهر، و حكمتك نافذة في كلّ شيء.
إنّ هذه الجملة قد تكون إشارة لطلب المغفرة من اللّه سبحانه و العفو عن الزلل في حالة حصول الميل النفسي و الحبّ و الولاء لأعداء اللّه.
و هذا درس لكلّ المسلمين كي يقتدوا بهؤلاء. و إذا ما وجد بينهم شخص منحرف ك (حاطب) فليستغفروا ربّهم و لينيبوا إليه.
و مرّة اخرى يؤكّد سبحانه في آخر آية من هذه الآيات على نفس الأمر الذي ذكر في أوّل آية، حيث يقول تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ [١].
لقد كانوا لنا أسوة، ليس فقط في موقفهم ضدّ منهج الكفر و عبدة الأوثان، بل هم أسوة لنا في الدعاء بين يدي البارئ عزّ و جلّ، و قدوة لنا في طلب المغفرة منه كما استعرضت الآيات السابقة نماذج في ذلك.
إنّ هذا الاقتداء في حقيقته يتمثّل في الذين تعلّقوا باللّه سبحانه، و نوّر الإيمان بالمبدأ و المعاد قلوبهم، و نهجوا منهج الحقّ و تحرّكوا في طريقه .. و بدون شكّ فإنّ هذا التأسّي و الاقتداء يرجع نفعه إلى المسلمين أنفسهم قبل الآخرين، لذا يضيف سبحانه في النهاية قوله: وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
[١]- قال بعض المفسّرين: إنّ (لمن) في الآية أعلاه «بدل» عن (لكم): (تفسير الفخر الرازي، و روح المعاني، في نهاية هذه الآيات).