الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣ - الدنيا متاع الغرور
آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
«الصدّيق» صيغة مبالغة من (الصدق) بمعنى الشخص الذي يستوعب الصدق جميع وجوده، حيث يصدّق عمله قوله، و هو النموذج التامّ للصدق.
«شهداء» جمع «شهيد» من مادّة (شهود) بمعنى الحضور مع المشاهدة سواء كانت بالعين المجرّدة أو البصيرة، و إذا أطلقت على «الشاهد» كلمة شاهد و شهيد، فالسبب هو حضوره و مشاهدته في المكان، كما يطلق هذا المصطلح على «الشهداء في سبيل اللّه» بسبب حضورهم في ميدان الجهاد.
إلّا أنّ المراد من (الشهداء) في الآية مورد البحث قد يكون الشهادة على الأعمال، كما يستفاد من الآيات القرآنية الاخرى، فالأنبياء شهداء على أعمال أممهم، و رسول الإسلام شاهد عليهم و على الامّة الإسلامية، و المسلمون أيضا شهداء على أعمال الناس [١].
و بناء على هذا، فإنّ الشهادة على الأعمال مقام عال، و الذي يكون من نصيب المؤمنين.
و احتمل البعض أنّ (شهداء) هنا هو الشهداء في سبيل اللّه، أي الأشخاص المؤمنون الذين لهم أجر و ثواب الشهادة، يحسبون بمنزلة الشهداء، لذا ذكر
في حديث أنّ شخصا ذهب إلى الإمام الصادق عليه السّلام، فقال له: ادع اللّه أن يرزقني الشهادة. فقال الإمام عليه السّلام أنّ المؤمن شهيد، ثمّ قرأ هذه الآية: وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ .. [٢].
و من الطبيعي أنّه يمكن الجمع بين المعنيين، خصوصا أنّ القرآن الكريم أطلق مصطلح «شهيد و شهداء» في الغالب على الأعمال و ما إلى ذلك.
و على كلّ حال، فإنّ اللّه تعالى يصف المؤمنين الحقيقيين هنا بوصفين: الأوّل:
[١]- يراجع التّفسير الأمثل، تفسير الآية (٧٨) من سورة الحجّ، و تفسير الآية (٤١) من سورة النساء.
[٢]- تفسير العياشي طبقا لنقل نور الثقلين، ج ٥، ص ٢٤٤.