الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٠ - أسوة للجميع
إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [١].
و هكذا يكون الموقف القاطع و الحاسم من جانب المؤمنين إزاء أعداء اللّه، بقولهم لهم: إنّنا لا نرتضيكم و لا نقبلكم، لا أنتم و لا ما تؤمنون به من معتقدات، إنّنا نبتعد و ننفر منكم و من أصنامكم التي لا قيمة لها.
و مرّة أخرى يؤكّدون مضيفين: «كفرنا بكم»، و الكفر هنا هو كفر البراءة الذي أشير له في بعض الروايات ضمن ما ورد في تعدّد أقسام الكفر الخمسة [٢].
و يضيفون للمرّة الثالثة مؤكّدين بصورة أشدّ: وَ بَدا بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَ الْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ.
و بهذا الإصرار و بهذه القاطعية و بدون أي تردّد أو مواربة يعلن المؤمنون انفصالهم و ابتعادهم و نفرتهم من أعداء اللّه حتّى يؤمنوا باللّه وحده، و هم مستمرّون في موقفهم و إلى الأبد و لن يتراجعوا عنه أو يعيدوا النظر فيه إلّا إذا غيّر الكفّار مسارهم و تراجعوا عن خطّ الكفر إلى الإيمان.
و لأنّ هذا القانون العامّ كان له استثناء في حياة إبراهيم عليه السّلام يتجسّد ذلك بإمكانية هداية بعض المشركين حيث يقول سبحانه معقّبا: إنّ هؤلاء قطعوا كلّ ارتباط لهم مع قومهم الكافرين حتّى الكلام الودود و الملائم: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَ ما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ.
إنّ هذا الاستثناء- في الحقيقة- كان في مسألة قطع كلّ ارتباط مع عبدة الأصنام من قبل إبراهيم عليه السّلام و أصحابه، كما أنّ هذا الاستثناء كانت له شروطه و مصلحته الخاصّة، لأنّ القرائن تظهر لنا أنّ إبراهيم عليه السّلام كان يرى في عمّه (آزر) استعدادا لقبول الإيمان.
و لمّا كان (آزر) قلقا من آثام سابقته الوثنية و عبادته للأصنام أوعده إبراهيم
[١]- «براء» جمع «بريء» مثل «ظرفاء- ظريف».
[٢]- اصول الكافي طبقا لنقل نور الثقلين، ج ٥، ص ٣٠٢.