الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٥ - العاقبة المؤلمة للعاصين
و العصيان) في تجارب الماضي و تأخذ القضيّة طابعا حسيّا.
و لم يخرج القرآن الكريم في هذه السورة عن هذا النهج، فبعد ذكر وظائف كلّ من الرجال و النساء عند الطلاق، يحذّر العاصين و المتمرّدين من العواقب الوخيمة التي تنتظرهم بقوله في البداية: وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَ رُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَ عَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً [١].
و المقصود ب «القرية» هو محل اجتماع الناس، و هو أعمّ من المدينة و القرية، و المراد هو أهلها.
«عتت» من مادّة «عتو» على وزن «غلو» بمعنى التمرّد على الطاعة.
و «نكر» على وزن «شكر» و يعني العمل الصعب الذي لم يسبق له مثيل.
«حسابا شديدا» أي الحساب الدقيق المقرون بالشدّة و الصرامة، و يعني العقاب الشديد الذي هو نتيجة الحساب الدقيق. و هو على كلّ حال إشارة إلى عاقبة الأقوام السابقة المتمرّدة العاصية في هذه الدنيا، التي هلكت بعضها بالطوفان، و بعضها بالزلازل، و آخرون بالصواعق و العواصف، و أمثالهم حلّ بهم الفناء و بقت ديارهم و آثارهم عبرة للأجيال بعدهم.
لذلك يضيف تعالى في الآية اللاحقة: فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَ كانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً.
و أي خسارة أفدح من خسران رأس المال الذي وهبه اللّه، و الخروج من هذه الدنيا- ليس فقط بعدم شراء المتاع- و إنّما بالانتهاء إلى العذاب الإلهي و الدمار.
و يرى البعض أنّ «حسابا شديدا» و «عذابا نكرا» يشيران إلى «يوم القيامة»
[١]- «كأين» على الرّأي المشهور لعلماء الأدب اسم مركب من «كاف» التشبيه و «أي» مع التنوين الذي دخل في بناء هذا الاسم، و يقرأ مع الوقف كذلك، و كتب أيضا في كتابة المصاحف و معناها كمعنى «كم» الخبرية، رغم وجود فرق بسيط بينهما.
و على الرأي غير المشهور فإنّها اسم بسيط و كافها و نونها جزء من الكلمة.