الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٢ - تعاقب الرسل واحدا بعد الآخر
و التّفسير الأوّل هو الأكثر شهرة، و المناسب أكثر من بعض الجهات.
و على كلّ حال، فالمستفاد من الآية أعلاه إجمالا هو أنّ الرهبانية لم تكن في شريعة السيّد المسيح عليه السّلام، و أنّ أصحابه ابتدعوها من بعده، و كان ينظر إليها في البداية على أنّها نوع من أنواع الزهد و الإبداعات الخيّرة لكثير من السنن الحسنة التي تشيع بين الناس. و لا تتّخذ عنوان التشريع أو الدستور الشرعي، إلّا أنّ هذه السنّة تعرّضت إلى الانحراف- فيما بعد- و تحريف التعاليم الإلهية، بل اقترنت بممارسات قبيحة على مرّ الزمن.
و التعبير القرآني بجملة: فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها دليل على أنّه لو اعطي حقّها لكانت سنّة حسنة.
و ما ورد في الآية التالية التي تتحدّث عن الرهبان و القساوسة يتناول هذا المعنى حيث يقول تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا، وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ [١] (يرجى ملاحظة ذلك).
و هكذا يتبيّن أنّ كلمة «الرهبانية» كلّما كانت بمعنى الرأفة و الرحمة فإنّها تشكّل دليل إضافيا على صحّة الادّعاء أعلاه، لأنّها ستكون بمعنى مستوى الرأفة و الرحمة التي وضعها اللّه في قلوبهم بعنوان أنّها صفة حميدة.
و مختصر الكلام هو: إذا وجدت سنّة حسنة بين الناس تكون أصولها الكليّة و خطوطها العريضة في دائرة المبدأ الحقّ (كالزهد، مثلا، فإنّ ذلك ليس عملا قبيحا، بل يعتبر مصداقا من مصاديق الخطّ العام للمبدأ، خاصّة إذا لم تنسب هذه
و هذه النقطة أيضا جديرة بالملاحظة و هي: إذا كانت الرهبانية عطف على الرأفة و الرحمة كما اخترناه في المتن، فإنّ المقصود من جعلها في القلوب هو نفس الميل القلبي لهم إلى هذه المسألة، في حين أنّ المقصود من (ما كتبناها) هو أنّ مسألة الرهبانيّة لم تكن حكم اللّه في دين السيّد المسيح، بالرغم من أنّ اللّه تعالى قد وضع حبّها في قلوبهم، و بناء على هذا فلا تتنافى مع جملة (ابتدعوها).
[١]- المائدة، الآية ٨٢.