الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٢ - أسوة للجميع
و خلاصة القول أنّ إبراهيم عليه السّلام و أصحابه كانوا من أشدّ المخالفين و المحاربين للشرك، و لا بدّ لنا من الاقتداء بهم و أخذ الدروس و العبر من سيرتهم، بما في ذلك ما يتعلّق بموقفه من «آزر» إذا توفّرت لنا نفس الشروط و الخصوصيات .. [١].
و بما أنّ محاربة أعداء اللّه، و الصرامة و الشدّة معهم- خصوصا مع تمتّعهم بقدرة ظاهرية- سوف لن تكون فاعلة إلّا بالتوكّل على اللّه تبارك و تعالى، يضيف سبحانه في نهاية الآية: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
و نلاحظ ثلاثة امور في هذه العبارة:
الأمر الأوّل: هو التوكّل، الثاني هو: التوبة و الإنابة، الثالث: التأكيد على حقيقة الرجوع النهائي في كلّ شيء إليه سبحانه، حيث أنّ كلّ أمر من هذه الأمور يكون علّة و بنفس الوقت معلولا للآخر، فالإيمان بالمعاد و الرجوع النهائي إليه سبحانه يوجب التوبة، و التوبة تحيي روح التوكّل في النفس الإنسانية [٢].
و في الآية اللاحقة يشير القرآن الكريم إلى طلب آخر مهمّ و حسّاس لإبراهيم عليه السّلام و أصحابه في هذا المجال، حيث يقول تعالى: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا.
من المحتمل أن يكون ما ورد في الآية إشارة إلى عمل «حاطب بن أبي بلتعة» و احتمال صدور شبيهه من أشخاص جهلة يكونون سببا في تقوية الظالمين، من حيث لا يشعرون، بل يتصوّرون أنّهم يعملون لمصلحة الإسلام، أو إنّ المراد في الحقيقة دعاء بأنّه لا تجعلنا نقع في قبضة الكافرين فيقولوا: أنّ هؤلاء لو كانوا على الحقّ ما غلبوا، و يؤدّي هذا التوهّم إلى ضلالهم أكثر.
[١]- يتّضح لنا ممّا تقدّم أنّ الاستثناء هنا متّصل، و المستثنى منه جملة محذوفة يدلّ عليها صدر الآية، و تقديرها: إنّ إبراهيم و قومه تبرّأوا منهم، و لم يكن لهم قول يدلّ على المحبّة إلّا قول إبراهيم، و طبقا للتفسير الثاني فإنّ الاستثناء سوف يكون منقطعا، و هذا بحدّ ذاته إشكال آخر عليه.
[٢]- يتّضح ممّا قلناه أنّ هذه الجملة هي كلام إبراهيم عليه السّلام و أصحابه، بالرغم من أنّ بعض المفسّرين احتمل كونها جملة مستقلّة و نزلت بعنوان إرشاد للمسلمين ضمن هذه الآيات، و هو احتمال بعيد.