الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨١ - يوم التغابن و ظهور الغبن
و بناء على ذلك يأمرهم البارئ أن يعدوا أنفسهم بالإيمان و العمل الصالح، و يستعدّوا للبعث و يوم الجزاء.
و الإيمان هنا لا بدّ أن يرتكز على ثلاثة اصول: (اللّه) و (الرّسول) و (القرآن) التي تتضمّن الأمور الاخرى جميعا.
التعبير عن القرآن الكريم بأنّه (نور) في آيات متعدّدة، و كذلك (أنزلنا) شاهدان آخران على ذلك. رغم وجود روايات متعدّدة عن أهل البيت عليهم السّلام فسّرت كلمة (نور) في الآية- مورد البحث- بجود الإمام، و يمكن أن ينظر إلى هذا التّفسير على أنّ وجود الإمام يعتبر تجسيدا عمليا لكتاب اللّه، إذ يعبّر عن الرّسول و الإمام ب (القرآن الناطق) فقد جاء في ذيل إحدى هذه الروايات عن الإمام الباقر قوله عن الآية: (و هم الذين ينورون قلوب المؤمنين) [١].
و تصف الآية اللاحقة يوم القيامة بقولها: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [٢] فإنّ أحد أسماء يوم القيامة هو «يوم الجمع» الذي ورد كرارا بتعبيرات مختلفة في القرآن الكريم، منها ما جاء في الآية (٤٩) و (٥٠) من سورة الواقعة: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.
ثمّ يضيف تعالى ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ [٣] أي اليوم الذي يعرف فيه «الغابن» بالفوز عن «المغبون» بالغلبة، و هو اليوم الذي ينكشف فيه من هم الناس الذي غبنوا و خسرت تجارتهم؟
اليوم الذي يرى فيه أهل جهنّم مكانهم الخالي في الجنّة و يأسفون لذلك،
[١]- تفسير نور الثقلين، ج ٥، ص ٣٤١.
[٢]- «يوم يجمعكم» متعلّقة ب (لتبعثنّ) أو بجملة (لتنبئن) أو (خبير) أو أنّها متعلّقة بجملة محذوفة مثل «اذكر» لكن هذا بعيد. و المناسب هو أحد الاحتمالات السابقة.
[٣]- «التغابن» من باب تفاعل، و عادة ما يأتي في حالة وجود طرفين تتعارض و تزاحم و هذا المعنى بالنسبة ليوم القيامة ربّما لظهور نتائج تعارض المؤمنين و الكفّار، أي يوم القيامة يوم ظهور التغابن، و يستفاد من بعض كلمات أهل اللغة أنّ باب التفاعل لا يأتي دوما بهذا المعنى، فهنا بمعنى ظهور الغبن (مفردات الراغب- مادّة غبن).