الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٦ - ٢- المصدر التأريخي للرهبانية
و بدون تهيئة مستلزمات الطريق من الزاد و المال .. بل يعتمدون على أخذ المساعدات من الناس عند كلّ نقطة يصلون إليها، ظانّين أنّ ذلك نوعا من الزهد و ترك الانشغال بالدنيا.
إلّا أنّ الإسلام كما نفى الرهبانية الثابتة، فإنّه قد نفى الرهبانية السّيارة أيضا انسجاما مع التعاليم الإسلامية، فإنّ الزهد و الصلاح مهمّ للإنسان المسلم، شريطة أن يكون في قلب المجتمع و ليس في الانزواء و الغربة عنه و البعد منه.
٢- المصدر التأريخي للرهبانية
لم تكن الرهبانية موجودة بشكلها الحالي في القرون الاولى للتاريخ المسيحي، و قد ظهرت بعد القرن الميلادي الثالث في حكم الإمبراطور الروماني (ديسيوس)- و قتاله الشديد لأتباع السيّد المسيح عليه السّلام، و نتيجة لما لحق بهم من الأذى من قبل هذا الإمبراطور المتعطّش للدماء، فإنّهم لجأوا إلى الجبال و الصحاري [١].
و جاء هذا المعنى بصورة أدقّ في الروايات الإسلامية حيث
نقل عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال لابن مسعود: «هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية؟
فقلت: اللّه و رسوله أعلم.
فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصي اللّه، فغضبت أهل الإيمان فقاتلوهم، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرّات، فلم يبق منهم إلّا القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا و لم يبق للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرّق في الأرض إلى أن يبعث اللّه النبي الذي و عدنا به عيسى عليه السّلام (يعنون محمّدا)- فتفرّقوا في غيران الجبال و أحدثوا رهبانية، فمنهم من تمسّك بدينه، و منهم من كفر».
[١]- دائرة المعارف القرن العشرين مادّة (رهب).