الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٩ - عجبا لأخلاقك السامية
و العطاء، و تدبير الأمور، و الرفق و المداراة، و تحمّل الصعاب في مسير الدعوة الإلهية، و العفو عن المتجاوزين، و الجهاد في سبيل اللّه، و ترك الحسد و البغض و الغلّ و الحرص ..، و بالرغم من أنّ جميع هذه الصفات كانت متجسّدة في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا أنّ الخلق العظيم له لم ينحصر بهذه الأمور فحسب، بل أشمل منها جميعا.
و فسّر الخلق العظيم أيضا ب (القرآن الكريم) أو (مبدأ الإسلام) و من الممكن أن تكون الموارد السابقة من مصاديق المفهوم الواسع للآية أعلاه.
و على كلّ حال فإنّ تأصّل هذا (الخلق العظيم) في شخصية الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو دليل واضح على رجاحة العقل و غزارة العلم له و نفي جميع التّهم التي تنسب من قبل الأعداء إليه.
ثمّ يضيف سبحانه بقوله: فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ.
بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ أي من منكم هو المجنون [١].
«مفتون»: اسم مفعول من (الفتنة) بمعنى الابتلاء، و ورد هنا بقصد الابتلاء بالجنون.
نعم، إنّهم ينسبون هذه النسب القبيحة إليك ليبعدوا الناس عنك، إلّا أنّ للناس عقلا و إدراكا، يقيّمون به التعاليم التي يتلقّونها منك، ثمّ يؤمنون بها و يتعلّمونها تدريجيّا، و عندئذ تتّضح الحقائق أمامهم، و هي أنّ هذه التعاليم العظيمة مصدرها البارئ عزّ و جلّ، أنزلها على قلبك الطاهر بالإضافة إلى ما منحك من نصيب عظيم في العقل و العلم.
كما أنّ مواقفك و تحرّكاتك المستقبلية المقرونة بالتقدّم السريع لانتشار الإسلام، ستؤكّد بصورة أعمق أنّك منبع العلم و العقل الكبيرين، و أنّ هؤلاء الأقزام
[١] (الباء) في (بأيّكم) زائدة و (أيّكم) مفعول للفعلين السابقين.