الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٢ - ١- الجيوش الإلهيّة اللامرئية
بحثان
١- الجيوش الإلهيّة اللامرئية:
في الوقت الذي تعتبر القوى الماديّة أكبر سلاح لتحقيق الإنتصار من وجهة نظر الماديين، فإنّ اعتماد المؤمنين يتمركز حول محورين (القيم المعنوية و الإمكانات المادية) و الذي قرأنا نموذجا منه في قصّة اندحار بني النضير كما بيّنت ذلك الآيات السابقة.
و نقرأ في هذه الآية أحد العوامل المؤثّرة في هذا الإنتصار حيث ألقى اللّه سبحانه الرعب في قلوب اليهود، بحيث أخذوا يخرّبون بيوتهم بأيديهم، و تخلّوا عن ديارهم و أموالهم مقابل السماح لهم بالخروج من المدينة.
و قد ورد هذا المعنى بصورة متكرّرة في القرآن الكريم، منها ما ورد في قصّة اخرى حول قسم آخر من اليهود و هم (بنو قريظة). حيث اشتبكوا اشتباكا شديدا مع المسلمين بعد غزوة الأحزاب، و في هذا المعنى يقول سبحانه: وَ أَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً.
و جاء هذا المعنى في غزوة بدر حيث يقول تعالى: سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ.
و بعض هذا الخوف الذي هو عبارة عن جيش إلهي غير مرئي يكاد يكون أمرا طبيعيّا، و لكن بعضه يمثّل سرّا من الأسرار غير الواضحة لنا، أمّا الطبيعي منه فانّ المؤمنين يرون أنفسهم منتصرين سواء قتل أو تغلّب على العدوّ. و الشخص الذي يؤمن بهذا الإعتقاد لا يجد الخوف طريقا إليه، و مثل هذا الإنسان سيكون أعجوبة في صموده و ثباته كما يكون- أيضا- مصدر خوف و قلق لأعدائه، و الذي نلاحظه في عالم اليوم أنّ بلدانا عديدة تملك قدرات هائلة من الإمكانات العسكرية المتطورة و المادية الكبيرة، تخشى من ثلّة من المؤمنين الصادقين