الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٤ - نهاية مؤامرة يهود بني النضير
الملائكة و البشر و الحيوانات و النباتات و الجمادات يمكن أن يكون بلسان «القال» و يمكن أن يكون بلسان «حال» هذه المخلوقات حول دقّة النظام المثير للعجب لها في خلق كلّ ذرّة من ذرّات هذا الوجود، و هو التسليم المطلق للّه سبحانه و الاعتراف بعلمه و قدرته و عظمته و حكمته.
و من جهة اخرى فإنّ قسما من العلماء يعتقدون أنّ كلّ موجود في العالم له نصيب و قدر من العقل و الإدراك و الشعور، بالرغم من أنّنا لم ندركه و لم نطلع عليه، و بهذا الدليل فإنّ هذه المخلوقات تسبّح بلسانها، بالرغم من أنّ آذاننا ليس لها القدرة على سماعها، و العالم بأجمعه منشغل بحمد اللّه و تسبيحه و إن كنّا غير مطّلعين على ذلك.
الأولياء الذين فتحت لهم عين الغيب يتبادلون أسرار الوجود مع كلّ موجودات العالم، و يسمعون نطق الماء و الطين بصورة واضحة، إذ أنّ هذا النطق محسوس من قبل أهل المعرفة. (و هناك شرح أكثر حول هذا الموضوع في تفسير الآية ٤٤ من سورة الإسراء).
و بعد بيان المقدّمة أعلاه نستعرض أبعاد قصّة يهود بني النضير في المدينة حيث يقول سبحانه: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ.
«حشر» في الأصل تحريك جماعة و إخراجها من مقرّها إلى ميدان حرب و ما إلى ذلك، و المقصود منه هنا اجتماع و حركة المسلمين من المدينة إلى قلاع اليهود، أو اجتماع اليهود لمحاربة المسلمين، و لأنّ هذا أوّل اجتماع من نوعه فقد سمّي في القرآن الكريم بأوّل الحشر، و هذه بحدّ ذاتها إشارة لطيفة إلى بداية المواجهة المقبلة مع يهود بني النضير و يهود خيبر و أمثالهم.
و العجيب أنّ جمعا من المفسّرين ذكروا احتمالات للآية لا تتناسب أبدا مع محتواها، و من جملتها أنّ المقصود بالحشر الأوّل ما يقع مقابل حشر يوم القيامة،