الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٥ - نهاية مؤامرة يهود بني النضير
و هو القيام من القبور إلى الحشر، و الأعجب من ذلك أنّ البعض أخذ هذه الآية دليلا على أنّ حشر يوم القيامة يقع في أرض الشام التي ابعد اليهود إليها، و هذه الاحتمالات الضعيفة ربّما كان منشؤها من وجود كلمة «الحشر»، في حين أنّ هذه الكلمة لم تكن تستعمل هذا بمعنى الحشر في القيامة، بل تطلق على كلّ اجتماع و خروج إلى ميدان ما، قال تعالى: وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ [١].
و كذلك ما ورد في الاجتماع العظيم لمشاهدة المحاججة التي خاضها موسى عليه السّلام مع سحرة فرعون حيث يقول سبحانه: وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [٢].
و يضيف البارئ عزّ و جلّ: ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ لقد كانوا مغرورين و راضين عن أنفسهم إلى حدّ أنّهم اعتمدوا على حصونهم المنيعة، و قدرتهم الماديّة الظاهرية. إنّ التعبير الذي ورد في الآية يوضّح لنا أنّ يهود بني النضير كانوا يتمتّعون بإمكانات واسعة و تجهيزات و عدد كثيرة في المدينة، بحيث أنّهم لم يصدّقوا أنّهم سيغلبون بهذه السهولة، و ذلك ظنّ الآخرين أيضا.
و لأنّ اللّه سبحانه يريد أن يوضّح للجميع أن لا قوّة في الوجود تقاوم إرادته، فإنّ إخراج اليهود من أراضيهم و ديارهم بدون حرب، هو دليل على قدرته سبحانه، و تحدّ لليهود الذين ظنّوا أنّ حصونهم مانعتهم من اللّه.
و لذلك يضيف- استمرارا للبحث الذي ورد في الآية- قوله تعالى: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ نعم، إنّ هذا الجيش غير المرئي هو جيش الخوف الذي يرسله اللّه تعالى في كثير من الحروب لمساعدة المؤمنين، و قد خيّم على قلوبهم، و سلب منهم قدرة
[١]- النمل، الآية ١٧.
[٢]- سورة طه، الآية ٥٩.