الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٨ - سبب النّزول
إنّ قسما من منافقي المدينة- كعبد اللّه بن أبي و أصحابه- أرسلوا شخصا إلى يهود بني النضير و أبلغهم بما يلي: أثبتوا في أماكنكم بقوّة، و لا تخرجوا من بيوتكم، و حصّنوا قلاعكم، و سيكون إلى جنبكم ألفا مقاتل من قومنا مدد لكم، و إنّنا معكم حتّى النهاية. كما أنّ بني قريظة و قبيلة غطفان و المتعاطفين معكم سيلتحقون بكم أيضا.
إنّ هذه الرسالة- التي وجّهها المنافق عبد اللّه بن أبي إلى اليهود بني النضير- أوجدت لديهم الإصرار و العناد على مخالفة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الخروج عن أمره، و في هذه الحالة انبرى (سلام) أحد كبار يهود بني النضير إلى «حي بن أخطب» الذي كان أحد وجوه بني النضير و قال له: لا تهتّموا بكلام عبد اللّه بن أبي، إنّه يريد أن يدفعكم لقتال محمّد و يجلس في داره و يسلّمكم للحوادث، قال حي: نحن لا نعرف شيئا إلّا العداء ل (محمّد) و القتال له، فأجابه سلام: اقسم باللّه أنّي أراهم سيخرجوننا قريبا و يهدرون أموالنا و شرفنا و تؤسر أطفالنا و يقتل مقاتلونا [١].
و أخيرا تبيّن الآيات أعلاه نهاية المطاف لهذا المشهد.
و يعتقد البعض أنّ هذه الآيات نزلت قبل قصّة يهود بني النضير، حيث تتحدّث عن الحوادث المستقبلية لهذه الوقائع، و بهذا اللحاظ فإنّهم يعتبرونها إحدى المفردات الغيبية للقرآن الكريم.
و رغم أنّ التعابير التي وردت في الآيات الكريمة كانت بصيغة المضارع و بذلك تؤيّد وجهة النظر هذه، إلّا أنّ العلاقة بين هذه الآيات و الآيات السابقة التي نزلت بعد اندحار بني النضير و إبعادهم عن المدينة، تؤكّد لنا أنّ هذه الآيات أيضا نزلت بعد هذا الحادث، و لذا كان التعبير بصيغة المضارع بعنوان حكاية الحال.
«فتدبّر»
[١]- روح البيان، ج ٩، ص ٤٣٩، و جاء نفس هذا المعنى باختلافات عديدة في تفسير الدرّ المنثور، ج ٦، ص ١٩٩.