الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٣ - دور المنافقين في فتن اليهود
المحكمة و يخفون أنفسهم في المواضع و وراء المتاريس و خلف الأسلحة، و يسيطر عليهم الخوف و يهيمن عليهم الرعب و يملأ كلّ وجودهم، و الحقيقة أنّ المسلمين إذا جعلوا إيمانهم و قيمهم الإسلامية هي الأساس فإنّهم منتصرون و متفوقون على الأعداء بلا ريب.
و لهذا السبب- و استمرارا لما ورد في نفس الآية- نستعرض سببا آخر من أسباب اندحار المنافقين، حيث يقول سبحانه: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ.
«شتّى» بمعنى (شتيت) أي متفرّق.
إنّ القرآن الكريم في تحليل المسائل بشكل دقيق جدّا و ملهم يؤكّد على أنّ (التفرقة و النفاق الداخلي) وليدة (الجهل و عدم المعرفة) لأنّ الجهل عامل الشرك، و الشرك عامل للتفرقة، و التفرقة تسبّب الهزيمة. و بالعكس فإنّ «العلم» عامل لوحدة العقيدة و العمل و الانسجام و الاتّفاق، و هذه الصفات بحدّ ذاتها مصدر للانتصار.
و هكذا فإنّ الانسجام الظاهري للعناصر غير المؤمنة و الاتفاقيات العسكرية و الاقتصادية يجب ألّا تخدعنا أبدا، لأنّ وراءها قلوب متناحرة متنافرة، و دليلها واضح و هو انهماك كلّ منهم بمنافعه المادية بشكل شديد، و بما أنّ المنافع غالبا ما تكون متعارضة، فعندئذ تبرز الاختلافات و الشحناء فيما بينهم، و لن تغني عن ذلك العهود و الاتّفاقيات و شعارات الوحدة و الانسجام الظاهري. في الوقت الذي تكون فيه وحدة و انسجام المؤمنين على قواعد و اصول ربّانية كأصل الإيمان و التوحيد و القيم الإلهية، و إذا أصيب المسلمون بانتكاسة في أعمالهم فإنّ ذلك دليل على ابتعادهم عن حقيقة الإيمان و ما لم يعودوا إلى الإيمان فإنّ وضعهم لن يتحسّن.