الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٥ - كلّ ما يصيبنا بإذنه و علمه
(التوحيد الأفعالي) و إنّما بدأ بذكر المصائب باعتبارها هي التي يستفهم عنها الإنسان دائما و تشغل تفكيره. و عند ما نقول يقع ذلك بإرادة اللّه، فإنّما نعني «الإرادة التكوينية» لا الإرادة التشريعية.
و هنا يطرح سؤال مهمّ و هو: إنّ كثيرا من هذه الحوادث و الكوارث التي تنزل بالناس تأتي من ظلم الظالمين و طغيان الجبابرة، أو أنّ الإنسان يبتلي بها بسبب الغفلة و الجهل و التقصير ... فهل أنّ ذلك كلّه بإذن اللّه؟
للإجابة على هذا السؤال نرجع إلى مجموع الآيات التي وردت في هذا المجال، فنلاحظ أنّها عرضت المصائب على نوعين:
الأوّل: ما يكون جزءا من طبيعة تكوين الإنسان كالموت و الحوادث الطبيعية الاخرى، و هذه لا يستطيع الإنسان أن يدفعها عنه، فيقرّر القرآن الكريم بأنّ ذلك يقع بإذن اللّه.
الثّاني: هو تلك المصائب التي تأتي من تقصير الإنسان و من عمل يده، و له الدور الأساسي في تحقّقها، و هذه يقول القرآن: إنّها تصيبكم بسبب أعمالكم.
و بناء على ذلك فليس للإنسان أن يستسلم للظلم و الجهل و الفقر.
و من البديهي أنّ إرادة اللّه تتدخّل في جميع الأمور حتّى تلك الخاضعة لإرادة الإنسان و فعله، إذ لا تأثير لجميع الأسباب إلّا بإذنه، و كلّ شيء خاضع لإرادته و سلطانه، و يبشّر القرآن المؤمنين بقوله: وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ.
فالمؤمن لا تهزمه المصائب و لا ييأس و لا يجزع. و اللّه يهدي الإنسان حينما يكون شكورا لنعمه، صابرا على بلائه، مستسلما لقضائه.
و لهداية القلوب معاني كثيرة منها (الصبر) و (التسليم) و (الشكر) و (الرضى) و قول: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ و عند ما يذكر المفسّرون أحد هذه الأمور، فإنّما يريدون بيان مصداق من مصاديق الآية لا معناها الكلّي.
و تقول الآية في نهاية المطاف وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.