الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٧ - عجبا لأخلاقك السامية
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [١].
و الأروع من ذلك كلّه أنّ هذه الكلمات كانت تنطلق من فمّ شخص لم يكن يقرأ أو يكتب، و لم يذهب للمكاتب من أجل التعليم قطّ، و هذا دليل أيضا على أنّ ما ينطق به لم يكن غير الوحي السماوي.
و ذكر بعض المفسّرين أنّ كلمة (القلم) هنا يقصد بها: (القلم الذي تخطّ به ملائكة اللّه العظام الوحي السماوي)، (أو الذي تكتب به صفحة أعمال البشر)، و لكن من الواضح أنّ للآية مفهوما واسعا، و هذه الآراء تبيّن مصاديقها.
كما أنّ لجملة ما يَسْطُرُونَ مفهوما واسعا أيضا، إذ تشمل جميع ما يكتب في طريق الهداية و التكامل الفكري و الأخلاقي و العلمي للبشر، و لا ينحصر بالوحي السماوي أو صحائف أعمال البشر [٢].
ثمّ يتطرّق سبحانه لذكر الأمر الذي أقسم من أجله فيقول تعالى: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ.
إنّ الذين نسبوا إليك هذه النسبة القبيحة هم عمي القلوب و الأبصار، و إلّا فأين هم من كلّ تلك النعم الإلهية التي وهبها اللّه لك؟ نعمة العقل و العلم الذي تفوّقت بها على جميع الناس و نعمة الأمانة و الصدق و النبوّة و مقام العصمة ... إنّ الذين يتّهمون صاحب هذا العقل الجبّار بالجنون هم المجانين في الحقيقة، إنّ ابتعادهم عن دليل الهداية و موجّه البشرية لهو الحمق بعينه.
ثمّ يضيف تعالى بعد ذلك: وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ أي غير منقطع، و لم لا
[١]- العلق، الآية ١- ٥.
[٢]- اعتبر البعض أنّ (ما) في (ما يسطرون) مصدرية، و اعتبرها بعض آخر بأنّها (موصولة) و المعنى الثاني أنسب، و التقدير هكذا: (ما يسطرونه)، كما اعتبرها البعض أيضا بمعنى (اللوح) أو (القرطاس) الذي يكتب عليه، و في التقدير (ما يسطرون فيه) كما اعتبر البعض (ما) هنا إشارة لذوي العقول و الأشخاص الذين يكتبون هذه السطور، إلّا أنّ المعنى الذي ذكرناه في المتن أنسب من الجميع حسب الظاهر.